العودة   وحـي بلقيـس > وحي التاريخ والغناء والموسيقى > وحي الجزيرة العربية > تاريخ وحضارة > شخصيات تاريخية
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-03-2009, 07:19 PM
الصورة الرمزية حماد مزيد
حماد مزيد حماد مزيد غير متواجد حالياً
مجلس إدارة وحي بلقيس
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: فلسطين
العمر: 55
المشاركات: 2,409
معدل تقييم المستوى: 10
حماد مزيد is on a distinguished road
افتراضي

...





الفصل الثاني


ملكة سبأ


عند


المؤرخين القدامى










37

.................................................. .................................................. .................................................. .................................






كانت كتابة التاريخ العربي , بالمفهوم التقليدي , عملية تسجيل للوقائع والسير والأحداث , تتناول تواريخ الشعوب برواياتها وأساطيرها وخوارقها , وذلك لحفظها والتذكير بها واتخاذها عظة وعبرة . بينما كانت الفلسفة التي توجه هذه الكتابات ذات منظور ديني . والمؤرخون المسلمون نجحوا في إبراز مثل إسلامية للمجتمع لا تزال توجهه وتقود سلوكه . وسواء كانت هذه المثل شخصيات عظيمة , أو كانت مواقف تاريخية , فقد برزت مكانتها بالوجه الديني الذي ارتبطت به , لأن من الملاحظ عند كتابة التاريخ " أنهم عندما يكتبون عن الشعوب والبلاد في العهود السابقة للإسلام تكون كتاباتهم مسطحة وأفقية , أما عندما يتحدثون عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فكتاباتهم عميقة وعمودية . هنا أصول عقيدة وحياة لصاحب الرسالة فيجب الغوص فيها إلى الأعماق وسبر أغوارها والأساس في ذلك كله الوحي ومستلزماته."[1]

وهكذا , فإن الرؤية الأساسية , كما سبق وأن أشرنا , هي الدين الإسلامي , إضافة إلى الموروث الثقافي والفكري للأمة , وهو موروث ينبغي أن نتطرق إليه باقتضاب.

تشير الدراسات التاريخية التي تناولت تاريخ العرب قبل الإسلام إلى اتصال العرب تجاريا وثقافيا ودينيا بغيرهم من الأمم المجاورة من الفرس والروم والإغريق , وهو اتصال ترك آثاره على الحياة في مختلف جوانبها , خاصة الدينية والثقافية . ويمكن استنباط ذلك من خلال الأشكال المتناقضة والمختلفة من الفكر الديني التي وجدت في الجاهلية وترجع إلى احتكاك العرب بالأمم المجاورة . وشهدت تلك الديانات تطورات إلى ما يقارب التوحيد كما هو مفهوم في الديانات السماوية.

ويقول الدكتور إبراهيم عبد الرحمن في هذا , مفنداً وجهة النظر التي تقول بأن الوثنية كانت ديانة العرب الوحيدة :

" الذي يهمنا أن عبادة الأوثان قد انتقلت إلى العرب من الأمم المجاورة , وأن هذه العبادات تطورت لتصل في نهاية العصر الجاهلي , او ما يسمونه بالجاهلية المتأخرة , إلى صورة أقرب ما تكون إلى التوحيد كما هي في الديانات السماوية . وهذا التطور من شأنه أن يحملنا على أن نفترض

[1] مجلة الفكر العربي المعاصر , العدد 12 أيار 1981 , صفحة 82.







38

.................................................. .................................................. .................................................. .....................







تأثر الجاهليين بالديانات الأخرى المجاورة , وأن هذا التأثر قد تم على مراحل مختلفة , اقتربت الوثنية الجاهلية من التوحيد الديني كما تجلى , خاصة في الديانات اليهودية.[1]

وكنا قد تطرقنا فيما سبق إلى كيفية انتشار اليهودية وتزايد أعداد النازحين من اليهود إلى الجنوب , بعد سقوط أورشليم على يد نبوخذ نصر , وبعد تخريب الهيكل الثاني . ويشير محمود الحوت في كتابه ( في طريق الميثولوجيا عند العرب ) إلى تلك المستعمرات وأماكن تواجدها , فيقول " وكان في القرن الأول للميلاد مستعمرات يهودية في تيماء , وفي فتك , وفي خيبر , وفي وادي القرى , وفي يثرب وهي أهمها . وكان يهود يثرب ثلاث قبائل : بني النضير , وبني قينقاع , وبني قريظة " [2]



[1] د. إبراهيم عبد الرحمن . قضايا الشعر في النقد العربي , صفحة 22 , دار العودة بيروت .

[2] محمود سليم الحوت , المرجع السابق , صفحة 82





39

.................................................. .................................................. .................................................. ..






أما في اليمن , فيرجع امتداد اليهودية وانتشارها إلى تهود الملك الحميري أسعد أبي كرب , فتهودت حمير بعد أن دعاها إليها , وتبع ذلك هدم ( رئام ) الذي كانت تعظمه حمير وتعبده . ومع هذا فإن اليهودية لم تبلغ ذروة انتشارها إلا في عهد ذي نواس , صاحب الأخدود , وذلك في القرن السادس الميلادي.

وما يهمنا هنا هو أن هذه الديانة حملت تأثيرات من ثقافات أخرى تأثرت هي بها , ثم نقلتها إلى مقتنعيها , فكان دخول اليهودية إلى الجزيرة العربية بعد أن تأثرت تأثراً كبيراً بالثقافة اليونانية لبقائها طويلاً تحت الحكم اليوناني وانتشارها في الإسكندرية وعلى شواطئ البحر الأبيض حيث كانت الثقافة اليونانية منتشرة. [1]

ونظراً للصراع بين الديانتين اليهودية والمسيحية , وللأبعاد السياسية والانعكاسات الثقافية والفكرية الناجمة عنه , فإن الحديث عن اليهودية يقودنا للحديث أيضاً عن المسيحية . وقد شهدت نجران , وكانت من أهم مواطن للنصرانية في بلاد العرب , قمة الصراع بين الديانتين .

جاء في من تنصر من العرب " قوم من قريش من بني أسد عبد العزى , ومن تميم بنو أمريء القيس بن زيد مناة , ومن ربيعة بنو تغلب , ومن اليمن طي ومذحج وبهراء وسليح وتنوخ وعسان ولخد" [2]

وقد أشار القرآن الكريم إلى أصحاب الأخدود وما كان من حرق للمؤمنين من النصارى بعد رفضهم دعوة ذي نواس إلى اعتناق اليهودية , إلا أن رجلا استطاع الفرار وإبلاغ الخبر إلى قيصر ملك الروم الذي أمر بدوره نجاشي الحبشة بمحاربة ذي نواس , فقام " بإرسال جيش مع ارياط وأبرهة الأشرم , فناجذوه القتال , وظفروا ببلاده وأتم الحبشة فتح اليمن فملكوا عليها أكثر من نصف قرن , حتى مد الفرس سيطرتهم على تلك البلاد , إلى أن تقدم المسلمون وفتحوا نواحي اليمن فيما بعد . فتكون النصرانية قد استمرت في نجران إلى عهد عمر حيث ذهب أكثرهم إلى العراق " [3] وشهدت الأسواق العربية والتجمعات في الجاهلية نشاطا كبيراً للمبشرين بالديانة

[1] محمود سليم الحوت . نفس المرجع السابق , صفحة 29.

[2] محمود سليم الحوت , نفس المرجع السابق , صفحة 30 .

[3] محمود سليم الحوت , نفس المرجع السابق , صفحة 30.





40

.................................................. .................................................. .......................................






المسيحية عن طريق الخطب البليغة التي كانت تذكر بفناء الدنيا وزوالها وبالحساب والجنة والنار . ولعلنا لا نزال نتذكر خطبة قس بن ساعدة . كما أن هناك آخرين مثل خطيب إياد وراهب نجران.

إن تركيزنا على الديانتين اليهودية والمسيحية , كمكونات أثرت على الموروث الثقافي والفكري , لا يعني الانتقاص من التأثير الذي لعبته الحضارات المجاورة , كحضارة بابل وآشور فلسطين وفينيقيا ومصر , وما قدمته تلك الحضارات من رؤى وصيغ إبداعية عكست تجاربها العميقة سواء في الحياة أو في ما بعد الموت . وهو تأثير لم يتم من قبل طرف واحد , وإنما كان تأثيراً متفاعلاً إيجابياً. إن حضارة ازدهرت فيها الكتابة والعمارة والتجارة , لا شك أنها حضارة قادرة على الإفادة والاستفادة , وعلى الأخذ والعطاء.




41

.................................................. .................................................. .......................................







ومع ذلك , فإن تركيزنا على هاتين الديانتين , وبالأخص الديانة اليهودية , ينبع من أن الكثير من المؤرخين القدامى اعتمدوا إلى حد كبير على الإسرائيليات . وفي الباب الأول تعرضنا للتنبيه الذي أشار إليه الإمام الشوكاني , والمقصود بذلك التنبه عندما يتعلق الأمر بتفسير كتاب الله سبحانه وتعالى , أما فيما تعلق بذكر القصص الواقعة لليهود , فيقول :" فهذا العلم مأخوذ من أهل الكتاب , وقد أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم ."[1]

ويرجع اعتماد المؤرخين القدامى على الإسرائيليات إلى أن المسلمين كانوا بحاجة ماسة إلى شروح لما جاء مقتضباً في القرآن الكريم من آيات على سبيل العبر ولها ذكر في التوراة , أخذوا يقصون ما جاء عندهم من قصص عنهم " [2] ولهذا , ربط المؤرخون القدامى , كما أشار الدكتور جواد علي " بين ما جاء في الأساطير اليهودية وما جاء في القرآن الكريم , كما أضافوا عليه ما سموه من قصص شعبي , فتولد هذا الذي نقرؤه اليوم باسم تاريخ اليمن القديم " [3] ومن هنا كثر الرواة من مسلمة اليهود , ككعب الأحبار ووهب بن منبه وابن سلام.

وبالرغم من التقائنا مع ما طرحه الدكتور جواد علي في وجهة نظره تلك , إلا أننا لا نتفق مع طرحه الشمولي , فالتاريخ اليمني نقرؤه اليوم ونفهمه من خلال المساند والنقوش التي كشفت عنها التنقيبات الأثرية , وإن كان لا يزال الكثير منها مطموراً تحت التراب.



[1] الشوكاني , القصيدة النشوانية

[2] د. جواد علي , دراسات يمنية , صفحة 247.

[3] المرجع السابق , صفحة 247.




42

.................................................. .................................................. ...................................








المبحث الأول


ملكة سبأ عند المؤرخين


اليمنيين والقدامى


أولا : وهب بن منبه :

تنطبق مقولة الدكتور جواد علي السابقة إلى حد كبير على كتابات المؤرخين القدامى اللذين لم يعتمدوا البحث العلمي والتحليل والتقصي , بقدر ما اعتمدوا الرواية والقصص الشعبي والإسرائيليات . وأفضل نموذج لهذا النهج هو كتاب ( التيجان في ملوك حمير ) لوهب ابن منبه . حيث جمع فيه بين الخرافة والأسطورة , والحادثة التاريخية والقصص الديني . ومع ذلك , فهو يعتبر من أهم المراجع والمصادر لفهم البنية الثقافية والذهنية للمجتمع اليمني في تلك الفترة , فضلاً عن أنه يعكس اختلاط التاريخ بالأسطورة اختلاطاً كبيراً إلى درجة تحول بعض الأحداث التاريخية إلى حكايات أسطورية أضفى عليها الخيال الشعبي الكثير من المبالغات لتجسيد ما يجيش في الوجدان من قضايا وطموحات وتصورات . وقد دفع هذا الأمر أحد كبار المهتمين باستلهام التاريخ العربي في إبداعات أدبية إلى القول : " إن هذا الكتاب قد شكل بداية الصلة الحميمة بيني وبين اليمن شعباً وتاريخاً وحضارةً وأساطيراً , إنه تحفة من الفن المكتوب".[1]

وينبغي علينا أن نقف وقفة تأملية لما تضمنه كتاب ( التيجان ) حول قصة بلقيس وفصولها الشيقة ابتداء من كيفية وصولها إلى الحكم ." فعندما حضرت الوفاة أباها شرحبيل بن الهدهاد دعا وجوه حمير وأوصاهم بأن تخلفه بلقيس على العرش " على النحو الذي سبق أن أوردناه . فقال له رجل منهم : أيها الملك تدع أفاضل قومك وأهل ملتك وتستخلف علينا امرأة وإن كانت بالمكان الذي هي منك ومنا."

وهـذه النـظرة لا تزال تحـكم قـناعات الكثـيرين من أبـناء قـومي فـيما يتعـلق بـتولي الـمرأة الحكم.


[1] وهب بن منبه , التيجان , صفحة 6 , من مقدمة الناشر .




43

.................................................. .................................................. ...................................






وكان أبوها حكيما فحين شعر بعدم الارتياح من تولي امرأة على قومه , ما كان منه إلا أن تعامل مع نفسياتهم بما يجعل بلقيس تتميز بقوة لا يملكها رجل , مستفيداً من كون أمها جنية مما سيمكنها من النجاح ومساعدة قومها , حيث كان مفهوم الجن في عقول الناس مرتبطاً بالخوارق والمعجزات . وهكذا سلم القوم بكلام الأب وقبلوا بها ملكة عليهم , وإن كانت لم تسلم من الازدراء بعد توليها الحكم وهو ما مهد لقصة هروبها مع أخيها أمام عمر ذي الأذعار , الملك الظالم الفاسق الذي كان له مع أبيها وجدها معارك وسجال . وكان أن مهد وهب بن منبه إلى ذكره قبل أن يورد قصة بلقيس مباشرة حين قال : " لما تولى عمرو ذو الأعمار الملك قهر الناس بالملك وذعرهم بالجور ... وأنه كان يزني ببنات الملوك من حمير , فيؤتى منهن أبكاراً وغير أبكار , فكن يشربن الخمر معه وكان ينادمهن على الخمر ويصيب منهن حاجته , فلما فعل ذلك بحمير كرهوا أيامه وأبغضوا دولته"[1]



[1] وهب بن منبه , نفس المرجع , صفحة 147.




44

.................................................. .................................................. .................................................. ......







وقبل المضي في تفاصيل هروبها , نعود إلى قصة ميلادها الخارق من أم جنية , وهي القصة التي أوردها جميع المفسرين والمؤرخين القدامى وان اختلف البعض في التفاصيل وسنركز في هذا المقام على وهب بن منبه , باعتباره أهم المراجع والمصادر الهامة . يقول وهب :

" لما ولي الهدهاد بن شرحبيل زحف إليه عمر ذي الأذعار , وبرز إليه الهدهاد , والتقوا بموضع معروف في اليمن , فتحاربوا أياماً فلما فصل العسكران وبرز بعضهما على بعض , خرج الهدهاد على ناقة في زي أعرابي حتى وصل عسكر عمر ذي الأذعار فطاف به وتدبر عساكره , ثم سمع لغطهم وما يتوعدون به عمرا ذا الأذعار من الخذلان واسترق ما يريدون له , فزاده ذلك عزماً على لقاء عمر . فانصرف الهدهاد يريد عساكره فسار حتى بلغ شرف العالية في يوم قائظ أجرهد فيها الصخور والتهبت الهواجر فنظر إلى شجاع أسود عظيم هارب وفي طلبه شجاع رقيق ابيض فاقتتلا حتى لغبا ثم افترقا ثم أقبل الشجاع الأبيض إلى الهدهاد مع ذراع ناقته حتى بلغ رأسه على كتفها ففتح فمه كالمستغيث , فرد يده الهدهاد إلى سقائه فصب الماء في فيه حتى روى , ثم أقبل على الأسود وأخذه , فلم يزل الأبيض حتى قتل الأسود , ثم مضى على وجهه حتى غاب عنه. ومضى الهدهاد إلى شعب عظيم فاختفى فيه , فبينما هو مستتر بشجر أراك إذ سمع كلاما فراعه , فسل سيفه , فأقبل عليه نفر من جان حسان الوجوه عليهم زي حسن , فدنوا منه وقالوا : عم صباحاً يا هدهاد لا بأس عليك , وجلسوا وجلس فقالوا : أتدري من نحن قال لا . قالوا نحن من الجن ولك عندنا يد عظيمة . قال وما هي ؟ قالوا : هذا الفتى أخونا من أبناء ملوكنا هرب عليه غلام أسود فطلبه فأدركه بين يديك فكان ما رأيت وفعلت . فنظر الهدهاد إلى شاب أبيض أكحل في وجهه آثار خداش . قال له : أنت هو ! قال : نعم , قالوا له : جزاؤك عندنا يا هدهاد إلا أخته نزوجك منها وهي رواحة بنت سكن . فزوجوه إياها."[1]

إلا أنهم قبل أن يزوجوه اشترطوا عليه أن لا يسألها عن أي شيء تفعله مهما بدا غريباً . وفي هذا تناظر مع القصص الخرافية التي تجعل من السؤال أو التحذير من فتح باب أو صندوق طريقاً مؤدياً إلى الهلاك أو الفراق مما يضيع الانسان في صراع مع المجهول والقدر . ولأن الانسان كائن يستمد كينونته , ويكتسب إنسانيته , بتجاوز الآفاق الضيقة بالدهشة والسؤال , فهو عادة في هذه القصص الخرافية ما ينقض الشروط ويتجاوز المحذور.


[1] وهب بن منبه , نفس المرجع , صفحة 143.




45

.................................................. .................................................. .......................................






وهكذا كان فراق رواحة بنت سكن زوجة الهدهاد بعد أن أنجبت له ثلاثة أطفال كان كل طفل منهم ما أن يبلغ السنة من العمر حتى تأتي كلبة فتجره من قدمه وتغيب به عن الأبصار . والهدهاد طبقاً للشروط التي وضعت قبل الزواج , لا يملك سؤالها عن مصيرهم , فعندما فعل فارقته بعد أن أوضحت له أن تلك الكلبة ما هي إلا مربية من الجن تحسن تربيتهم . وعادت إليه بلقيس وأخ لها , سيكون له دور نسجه الخيال الشعبي لبلقيس , وذلك في سبيل تصوير المشاق والأهوال التي تعرضت لها لكي تصل إلى الحكم بجدارة واقتدار .

ويمضي وهب بن منبه محافظاً على ذلك الخيط الذي يجمع الأحداث دون أن يتركها تتبعثر فتفقد تشويقها , فيسرد قصة هروبها مع أخيها الذي أشرنا إليه آنفاً, وهما في زي أعرابيين فيقول :






46

.................................................. .................................................. ...................................






ازدرى قومها بمكانها لما كانت امرأة وانفوا من أن يلي أمرهم امرأة , وبلغ عمرو ذي الأذعار , فجمع الجيوش ونهض إلى بلقيس , فلم تكن لها طاقة , فهربت مقتتمة بأخيها عمرو بن الهدهاد , هما في زي أعرابيين حتى أتت جعفر ابن قرط الأسدي.[1]

ثم يمضي فيسرد ما حدث لجعفر بن قرط , أنجد فارس في زمانه , كما وصفه وهب , مع عمر بن عباد وشريك بن هلال وهما من أشهر وأفتك الصعاليك العرب . وكيف كاد أن يصرعهما . إلا أن جعفراً سامحهما وأطلقهما حين افتديا نفسيهما بالمال. فما كان من عمر بن عباد إلا أن هيأ هدية وسار إلى الشيخ فوجده في مكانه مجاوراً قبر النبي هود عليه السلام كعادته في كل عام , ثم يروي قصة مصرع ذلك الصعلوك على يد بلقيس بعد أن تغلبت عليه بالحيلة والدهاء ومكر النساء , وهو ما يحرص عليه الخيال الشعبي على التأكيد عليه وتعميقه في الأذهان . ذلك أن عمراً بن عباد كان قد استرق النظر إلى جدجاد بنت جعفر وهو في الأسر , فأحبها , لذا فقد عمد إلى الخمرة يسقى والدها حتى ثمل ثم فصل رأسه عن جسده إمعاناً في إرعاب النساء والأطفال , ثم طلب أن تزين جدجاد ليخلو بها . ولكن بلقيس تمكنت بحيلتها وتماسكها من أن تتصدى للموقف فدخلت عليه بدلاً من الجدجاد . وكانت تضع على شعرها مدية على شكل زينة نصابها الذهب ورأسها ياقوتة زرقاء, فلما رآها عمرو أنكر أنها الجدجاد , وقد كانت بلقيس أجمل من جدجاد ومن نساء زمانها . فلما خلا بها قالت له : يا عمرو إن الأبكار من النساء كالإناث من الخيل لا يسمحن إلا عن صهيل ومجاذبة , وإنما أرادت أن تعلم أين هو من قوتها , ومد يده إليها , ورأى أنه حاكم عليها , فجذبها إلى نفسه , ودافعته فغلبت عليه , فأخذت بيديه جميعاً بيدها الواحدة فأمسكته , فلم يستطع معها حراكاُ , ثم مدت يدها على قرونها فسلت المدية فضربت بها نحره فلما فاجأته ومات أخذت برجليه تجره في الحي وتقول : قليل لك مني هذا يا أبا عامر " [2]

وهكذا أنقذت بشجاعتها ودهائها النساء والأطفال . حتى عادوا إلى مقر أبيهم . وعندما شاع قتل جعفر , وعرف بذلك عمرو ذو الأذعار , أرسل إليها فسارت ولجأت إلى الحيلة في قتله . وعندما مات بايعها ملوك حمير وأقيالها بعد أن خلصتهم من ذلك الملك الفاسق , قائلين لها :" أنت أولى بالملك إذ أرحتينا من الرجس الجائر."[3]


[1] وهب بن منبه , نفس المرجع , صفحة 146.

[2] وهب بن منيه , نفس المرجع صفحة148 .

[3] وهب بن منيه , نفس المرجع صفحة 158




47

.................................................. .................................................. .....................................







ولما وليت الحكم , يستطرد وهب بن منبه في تصوير توسيع اليمن وامتدادها في عهدها إلى نهاوند وأذربيجان , وسيطرتها على بابل ومكة , بل وينسب إليها الإيمان , فيقول :

" فلما وليت بلقيس جمعت الجيوش العظيمة وسارت إلى مكة فاعتمرت وتوجهت إلى أرض بابل على من كان بها من الناس , وبلغت أرض نهاوند وأذربيجان , ثم قفلت إلى اليمن.[1]

كما أن بلقيس لم تكن مهتمة بنفسها كأنثى , حيث أنها كانت لا إرب لها في الرجال , وإنما لما غلب رسول الله سليمان بن داوود عليهما الصلاة والسلام , تلوم أمره فيها حتى أتاه الوحي ببراءتها من ريب الجاهلية فتزوجها وهي جارية عذراء.[2]



[1] نفس المرجع . صفحة 159 .

[2] وهب بن منبه , نفس المرجع صفحة 161 .




48

.................................................. .................................................. ............................................








أما حكيتها مع النبي سليمان فتبدأ عند وهب بن منبه بعد أن ملكت اليمن سبع سنوات وذلك " لما أراد الله إكرامها بسليمان خرج مخرجا لا يريد إليها وذلك أنه لما بلغ ملك حمير مبلغاً لم يبلغه أحد من أهل الدنيا عظمت نفوسهم وتكبروا وتجبروا ولله الكبرياء والجبروت , فأراد الله أن يريهم قدرته , فأرسل سليمان بن داوود بن ايشا بن حصرون بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن , صلى الله عليه وسلم , وأعطاه الله ملكا لم يعطه لأحد من قبله ولا ينبغي لأحد من بعده , فأتى حمير بالآيات التي لا يستطيع مخلوق أن يأتي بها."[1] وهنا دلالة على نبوته كما هو تأكيد في نفس الوقت على أن اليمنيين ما كانوا ليقبلوا الدخول في طاعته دون مبرر ديني سماوي.
ونمضي مع وهب فيقول :
" إن الله أراد أن يهدي بلقيس وحمير فبعث الله نبيه سليمان بآياته الباهرة التي بهرت عقولهم , فخرج سليمان مخرجاً لا يريد إليها فقضى أن يمر على بلدها وهو يريد غيرها , وكان إذا ركب غدا من تدمر وكانت منزله , فيقيل باصطخر من أرض فارس , ثم يروح فيبيت ببابل."[2]

وبغض النظر عن مدى تقبل هذا الطرح , حيث انه يبتعد تماما عن الواقع الجغرافي , فتدمر في مكان وفارس في مكان آخر واليمن في زاوية أخرى من الجزيرة العربية والمسافات طويلة بمقاييس البشر , غير أننا نسرد الأسطورة ونقبل بجانبها الإيماني والأسطوري الذي يقول بان الريح كانت تقل سليمان من مكان إلى آخر بحيث يجد نفسه بين غمضة وأخرى من موضع إلى آخر ومن أرض إلى أخرى وهنا تأتي روعة الأسطورة في جانبها التشويقي.

لقد جعل الله تعالى من الهدهد مدخلاً للفت انتباه سليمان . وقبل أن يستأنف وهب بن منبه حكاية سليمان وبلقيس , نجده يتوقف في نجران حيث وصل النبي سليمان بعد توقفه في مكة لأداء الصلاة والتبشير بقدوم النبي محمد صلى الله عليه وسلم . ولم يكتف سليمان بذلك أثناء وجوده في مكة , بما يصطلح على تسميته اليوم بالمناقلات الإدارية وهو أمر له دلالته السياسية , التي تشير إلى حقيقة غزوات النبي سليمان وتوسعاته العسكرية . فيقول وهب :

" وكان ملك مكة يومئذ البشر بن عمرو بن جرهم بن قحطان بن هود صلى الله عليه وسلم ، وكان البشر عاملاً لبلقيس على من كان بمكة والحجاز نبت بن قيذار بن إسماعيل النبي بمكة

[1] نفس المرجع.

[2] وهب بن منبه , نفس المرجع صفحة 162




49

.................................................. .................................................. ......................................





يومئذ وبنو عمه , فأتى البشر إلى سليمان مستجيراً مستسلماً , فأمره سليمان من أمر مكة إلى نبت بن قيذار بن إسماعيل , وأقر البشر وجرهم على القيام بالبيت كما فعل إسماعيل ."[1]

نعود فنقول إن توقف وهب عند نجران له دلالة تعكس الأهمية التي احتلتها نجران في التاريخ وما شهدته من صراع بين الديانتين اليهودية والمسيحية . وقد أشار القرآن الكريم إلى حادث تعذيب نصارى نجران في سورة البروج . قال تعالى :
[ قتل أصحاب الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما يفعلون شهود * وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد*] صدق الله العظيم.



[1] وهب بن منبه نفس المرجع السابق .




50

.................................................. .................................................. ......................................








ويجدر بنا هنا أن نشير إلى الدكتور جواد علي , وما طرحه بعض المفسرين حول هذه الآيات , فيقول :
" أن المراد بهم قوم من المجوس أو قوم من اليهود , والأغلب أنهم نصارى نجران عذبهم ملك اليمن المتهود بتحريض من اليهود انتقاما من النصارى ولاسيما الروم اللذين أساؤوا معاملتهم في إمبراطوريتهم . وذكروا أن هذا الملك المتهود هو ذو نواس , وقد حرق عدداً كبيراً من الناس ممن أبى الدخول في ديانة اليهود وسعى في نشر اليهودية والقضاء على النصرانية واجتثاثها من البلاد ." [1]

ركز صاحب التيجان على نجران وعلى القِلمِس , الذي عرف بأفعى نجران وجعل منه عاملاً لبلقيس , ووصف نجران بدار العلم وأشار إلى أهلها على لسان القلمس عندما رأى طوالع عساكر سليمان قائلاً :" يا أهل نجران انتم أهل العلم الأول هل عندكم من هذا العلم ؟ قالوا له : ما لم يكن عندك يا سيدنا وأنت جهبذ العالم فيكون عندنا " [2] ثم صور ما دار بينه وبين سليمان , وتيقن القلمس بعدها بنبوة سليمان , فآمن به سراً دون أن يخبر بلقيس , في الوقت الذي ظلت فيه المراسلات تدور بينه وبينها حول سليمان وكتب إليها ملمحا بنبوته " أني رأيت قوما لبسوا الذل تحت العز والفاقة تحت الغنى والصبر تحت القدرة ينصرون بلا حرب ويقدرون بلا استطالة "[3] وترد عليه بلقيس بحذر الملوك وحنكة الساسة وبعد نظرهم " تفعل الملوك ذلك يستميلون أهواء العالم حتى يقدروا فإذا قدروا عزوا فبزوا ولكن لا تحاربهم ودعهم فليس كل الناس صائناً لنفسه , فإن سرقوا فليسوا بأهل دين ."[4]

ثم يمسك وهب عن مواصلة سرد ما تم بين القلمس وبلقيس ونتيجة مراسلاتهما وما توصلا إليه , ليعود إلى المدخل الأساسي في كيفية الاتصال , وهو ما جاء في القرآن الكريم بواسطة الهدهد . لتتابع بعد ذلك فصول الحكاية كما تناولها المفسرون حسبما سبق استعراضه . وعندما يصل إلى قصة الصرح . يشير وهب بن منبه , إلى أن هذه القصة جاءت نتيجة المؤامرة التي دبرها الجن سعياً لصرفه عن التفكير في الزواج منها . لذا فقد جعلوا من زوبعة , الذي سيرسله سليمان معها إلى اليمن فيما بعد , المتحدث باسمهم إلى سليمان , فأتاه وقال له : يا نبي الله بلغني أنك تريد الزواج

[1] وهب بن منبه نفس المرجع صفحة 163.

[2] د. جواد علي المرجع السابق صفحة 242.

[3] وهب بن منبه التيجان , صفحة 164.

[4] نفس المرجع السابق , صفحة 165.




51

.................................................. .................................................. ..........................................






بلقيس وأمها من الجن ولم تلد جنية من أنثى قط ولداً إلا كانت رجلاه مثل حافر الحمار وساقه أجمان صلب القسوة حاد النفس حار الجسم , قال سليمان : كيف لي أن أنظر إلى ذلك منها واعلم من غير أن تعلم ما أريد به منها ! قال زوبعة : أنا أكفيك ذلك فصنع زوبعة لسليمان مجلسا من قوارير وجعل أرض المجلس لجة وسرح فيها السمك ثم جعل فوق ذلك صرحا ممرداً من قوارير.[1]

إلا أن الحوار الذي دار بين سليمان وبلقيس لا يتناسب مع هذا السياق الإيماني , فقد صور النبي سليمان رجلاً يعطي اهتمامه للتطلع إلى ساقيها وعندما تحقق له ذلك يقول وهب: نظر سيلمان إلى شعر ساقيها ورأى جسمها أحسن جسم صرف وجهه عن ساقيها للشعر الذي رأى ."[2]



[1] وهب بن منيه نفس المرجع صفحة 165

[2] وهب بن منبه نفس المرجع صفحة 171.




52

.................................................. .................................................. ...................................






كما صور بلقيس صورة مناقضة للشخصية التي عرفناها من خلال مواقفها السابقة كملكة قوية مقتدرة وحازمة , وكما ذكرها به القرآن الكريم كملكة عظيمة تأمر فتجاب , وهو الأهم . فقد صورها من خلال ذلك الحوار مجرد أنثى تسعى للتقرب والتودد للرجل بكل الوسائل , فها هي ترد عليه محاولة إغرائه " يا نبي الله إن الرمانة لا يدرى ما هي حتى تذاق "[1] وها هي تلعب دور حواء التقليدي , وهي تدفع آدم كي يتذوق التفاحة , ومع ذلك يجيبها سليمان "ما يحلو على العين لا يحلو على الفم ."[2]

وهذا الجانب إذا ما أخذناه من منطلق إيماني , فإننا نشك فيه ونرفضه لأنه يصور العلاقة بين سليمان وبلقيس وكأنها قصة غرامية , الأمر الذي يغمز بنبوة سليمان ويشكك بدعوة بلقيس إلى الإيمان , ويوحي بأنه ما ذهب إلى اليمن إلا طامعا بخيراتها وملكها وجمال ملكتها.

أما أذا ما أخذناه من جانب أسطوري , فسنجد أنه وضع للتمهيد لقصة زواج سليمان من بلقيس التي نسجها الخيال الشعبي , وبالغت في حبكها الإسرائيليات , مما يجعلنا نصل على نفس الاستنتاج الذي وصل إليه الدكتور جواد علي عندما قال : صور أهل الأخبار اليمن في عهد بلقيس وكأنها أرض خاضعة لسليمان ثم لابنه رحبعم [3] وجاء فيما جسد هذا المعنى عندما ذكر أن سليمان تزوجها فولدت له داوود ورحبعم ومات الأول في حياة أبيه وخلف رحبعم أباه , وأبقى سليمان بلقيس على حكمها في مأرب وكان يأتيها مرة في كل شهر ليقيم معها سبعة أيام.[4] بعد موت سليمان ارتد أهل الشام فخرج إليهم رحبعم من اليمن مخلفاً أمه بلقيس بمأرب حاكمة عليها.

هذا ما أتت به الأسطورة اليمنية , غير أنها لم تغفل جانبا مشاعر اليمنيين الذين كانوا جوهر الأسطورة , فتضمنت ما يشير إلى عدم ارتياح البعض من النفوذ الخارجي . وورد في التيجان ما يشير إلى أن مالك ابن عمر بن يعفر خرج في الناس مخاطباً :" يا بني حمير نطق الدهر وخرستم وانتبه الذل ونمتم .أما ترون الجبابرة تجاهلت وكل يد تطاولت سفهت الأحلام وأنبت العوام والملك تراث أهل العزم والألباب دعوتكم ودعاكم الذل , أجيبوا إحدى الدعوتين , فأجابوه

[1] نفس المرجع . صفحة 172.

[2] نفس المرجع 172.

[3] نفس المرجع السابق .

[4] د. جواد علي , نفس المرجع السابق.




53

.................................................. .................................................. ......................................







وقدموه في الملك فسمي مالك ناشر النعم . قال حمير: نشر لنا مالك الملك بعد الموت وأحياه بعد الهلكة ورده بعد الذهاب ." [1]

وقال في ذلك النعمان بن الأسود المعترف بالحميري :

لعـمري لـقد جـللت حــمير نـعمـــة
ستبقى لها فخر السيوف على ذكر
وراجعتها الملك الذي كان قد مضى
فأنت حسام الدهر ذي النعم الزهر
ولولا سليمـــان الـذي كـــان أمـــره
من الله تـنزيلا ووحــيا على قــدر
لما كان إنس يـــبتغي أن يــــرومنا
ولا الجن إلا أن نساق على القـــصر
ولكن قــــــــدرا كان تحويل ملــكنا
إلى نـــبي الله داوود ذي النــــــــصر
فنــــــــحن مــلوك قــــبل نــــــبيه
وقبل أبيه الحبر عصرا على الدهـــر
ونحن ولاة الملك في الدهر ما بقي
إلى أن يكون الدين قصراً على الحبر
نــبي أمـــي أمــــره غــير زاهــق
رحـــيم بذي القربى لطيف بذي الوتر
محمــــــد الهــــــادي وأحمد اسمه
رســول مــنير مـــشرق الوجه كالبدر

ويمضي وهب بن منبه في إيراد المزيد من تلك الأشعار , التي لا نشك في انتحالها , فيقول على لسان الأعصم بن زيد بن عملاق الحميري في رثاء سليمان , مؤكدا نفس الفكرة التي أشرنا إليها أنفاً :


[1] وهب بن منبه , المرجع السابق صفحة 172.




54

.................................................. .................................................. .......................................






إلـى ســـليمــــــان بــن داوود إذ
عــلى الــناس بــفــضل الكــــــمال
فـــهــد بالــملــك ذرى مــــــلكنا
جـــــلى بـــنور الوحي دين الظلال
هــــدى ســـريعا بالــــهدي أمـة
عـــارفة بالــحق حـســن الـــــمقال
يا خـــــير مــفجوع فـــجعنا بـه
مصطفيا بلقيــــــس دهــر الــزوال
أقـــــام رحبـــعم لـــــــنا دعـوة
مــــن بــــعده يـــوماً كفيء الظـلال[1]

ولعل التلميح الموجود في الأبيات السابقة إلى ظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم يعود إلى إدراك الشاعر – ونحن نسلم قطعا بأنه شعر موضوع في تلك الفترة التي اشتد فيها النزاع بين القحطانية والعدنانية والذي بدأ من سقيفة بن ساعدة ليبلغ الذروة في منتصف القرن السابع الميلادي – لعل ذلك التلميح يعود على محاولة تبرئة الشعراء اليمنيين لأسلافهم الوثنيين من ذلك الواقع وإظهارهم بمظهر المؤمنين بالله , كي يتسنى لهم المفاخرة بأمجاد اليمن القديمة وبممالكها القوية وسطوتها وسيطرتها وتفوقها في جميع المجالات ردا على طعن وغمز العدنانيين ذلك الماضي الوثني . لذلك نجد أن جميع الأساطير اليمنية التي تتناول تاريخ ملوك اليمن القدماء قد " أعيدت صياغتها بروح إسلامية ونزعات قحطانية إذ أنها تبجل الانتصارات الخيالية الوهمية وتعظم السلطان الأزلي لملوك اليمن القدماء على العرب وفي كل مكان من الملحمة ينسب الإيمان بالله لهم ولكن بأشكال مختلفة."[2]



[1] وهب بن منبه نفس المرجع

[2] وهب بن منبه نفس المرجع




55

.................................................. .................................................. .................................





وتواصل الأسطورة اليمنية , كما جاءت في ( التيجان ) فصولها حتى تصل إلى القول أن بلقيس عاشت بعد وفاة ابنها رحبعم سنة واحدة ثم ماتت . وفي هذا يقول النعمان بن الأسود بن يعفر الحميري وهو من بيت الملك وأبناء ملوك حمير , يرثيها :

وغروب البلاد ترجــــف منها
وعــــلى فـــكها السحاب المطير
إن بلقيس قد أذل لها الـــــملك
ســليمان واصــطفـــاها قـــــدير
إذ رســـول له إلينـا عجــــيب
بـــكتــاب ومـــا أتـــانا غـــرور[1]

ومن هنا نستطيع أن نخرج بالقول بأن اليمنيين قبلوا بسليمان نبيا , وحاولوا أن يجدوا مبرراً لأنفسهم كي يقبلوا حكمه من خلال إبقاء بلقيس ملكة عليهم , فهي سليلة التبابعة من ملوك حميـر, وابنة اليمن بما تمتلكه من حكمة وذكاء ودهاء وعز واستقامة وقدرة , وما استمدته من قوة مضافة من قومها الأشداء الأقوياء الذين قالوا ": نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد " ( الآية )

هذا ما كان من العلاقة بين سليمان وبلقيس وقصة رحبعم , كما وردت في الأسطورة اليمنية . على أنه ينبغي الملاحظة أن وهب بن منبه لم يورد الرواية الأخرى التي طرحها المؤرخون والمفسرون من بعده الخاصة بزواجها من بتع .

أما في التوراة , فقد ورد ذكر رحبعم دون إشارة إلى كون أمه ملكة سبأ , فجاء في العهد القديم :" واضطجع سليمان مع آبائه ودفن في مدينة داوود وملك رحبعم ابنه مكانه "[2]

نخلص من هذا إلى أنه لم يرد في الكتب السماوية الثلاثة ما يثبت أن النبي سليمان تزوج ملكة سبأ وأنجب منها , كما لم توثق كتب التاريخ ذلك الأمر أيضا , وعلى أية حال فإن الأرجح في كل هذا أن سليمان أقنع بلقيس بالزواج وترك الأمر لها في اختيار الزوج . وحرصا منه على بقاء

[1] وهب بن منبه المرجع السابق

[2] التوراة .




56

.................................................. .................................................. ..................................






دعوته لها مجرده وبعيدة عن أي مصلحة أرضية , حتى يحافظ على تعزيز دعوته السماوية وتعميقها في نفوس اليمنيين , فهو نبي قبل أن يكون ملكاًً , ونظرته إلى الأمور تقوم على هذا الأساس قبل أي شيء آخر , وهذا ما جعل اليمنيين يعتنقون ويسلمون بالدين الجديد , ويتعاملون مع النبي سليمان لا الملك سليمان , ويتضح ذلك من خلال أشعارهم ومواقفهم اللاحقة , ومن خلال تعاملهم مع الملكة بلقيس وتعاونهم معها كرمز لليمن ودينها الجديد.




57

.................................................. .................................................. ..................................






ثانياً : أخبار عبيد ابن شرية الجر همي :

كتاب لا بد أن نشير إليه باعتباره من المصادر التي اعتمد عليها المؤرخون والمفسرون القدامى , وإن كنا نرى أنه لا يخرج عما جاء في ( التيجان ) وإن لم يصل إلى مستواه الإبداعي.

ولكتابة هذا المؤلف قصة تروى , ذلك أن معاوية كان شغفاً بسماع القصص وأحاديث الماضي , فاقترح عليه عمرو بن العاص استدعاء عبيد بن شرية الجرهمي من صنعاء , وقد كان من المعمرين اللذين أدركوا ملوك الجاهلية . ووصفه عمرو بن العاص قائلاً :" اعلم من بقي اليوم من أحاديث العرب وأنسابها , وأوصفه لما مر عليه من تصاريف الدهر ." [1]

وعندما حضر عبيد , أمر معاوية بتدوين ما يرويه , فكان فيما بعد كتاب ( أخبار عبيد ابن شرية الجرهمي في أخبار اليمن السعيد وأشعارها وأنسابها ) , وقد طبع الطبعة الأولى منه في مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بالهند بحيدر أباد عام 1347 هجرية. وظهرت طبعته الثانية مع كتاب ( التيجان في ملوك حمير ) ضمن مجلد واحد صدر عن مركز الدراسات والبحوث اليمني في صنعاء عام 1979 ميلادية.

نعود فنشير إلى أن ما جاء فيه فيما يتعلق بقصة الملكة بلقيس لا يختلف عما جاء في كتاب التيجان في الخطوط العريضة سواء من حيث كيفية ميلادها وتتويجها وزيارتها لسليمان , أو من حيث زواجها من سليمان وإنجابها لرحبعم . كما لم يرد أي ذكر لقصتها لعمر ذي الأذعار . ومع ذلك يعتبر الكتاب من المصادر القديمة ذات الأهمية .

ثالثاً : أبو محمد الحسن الهمداني :

ولد في صنعاء عام 280 هجرية من قبيلة همدان وهي أقوى القبائل اليمنية . وكان لنشأته في أواخر القرن الثالث الهجري وهو عصر اضطراب سياسي وفكري ومذهبي في اليمن أثر في حياته العلمية والعملية فقد شهدت اليمن في تلك الفترة تنازع ثلاثة تيارات سياسية :


[1] وهب بن منبه , التيجان , صفحة 325.




58

.................................................. .................................................. .................................






* الأئمة الطارئون على البلاد منذ ما يقرب من ربع قرن يؤازرهم بعض القبائل مع الأبناء من الفرس
* الأمراء اليعفريون وقاعدتهم صنعاء .
* أمراء آخرون من رؤساء القبائل يميلون مع هؤلاء تارة ومع أولئك أخرى .

وجدير بالذكر أن الإمام الهادي إلى الحق دخل اليمن عام 280 هجرية لأول مرة , ثم جاءها مرة أخرى ليستقر بها عام 284 هجرية استجابة للوفد الذي أرسله زعماء آل فطيمة في موسم لعام 283 هجرية وساعدت العوامل السياسية والفتن والتناحر والتنافس القبلي في اليمن على نشر دعوته وبالرغم من ذلك فإنه لم يجد الترتيب من الجميع , وفي هذا يقول المؤرخ محمد الأكوع : ولما اتخذ صعدة مركزاً له جعل يشن غاراته على القبائل التي لم ترحب بوصوله وسارعت لإجابة دعوته , كما أنه لم يلق ارتياحا من جميع قبائل خولان وهمدان , بل ناوأه كثير من الزعماء البارزين وعلى رأسهم أحمد بن عبد الله بن محمد بن عباد الأكليلي , زعيم المعارضة وسيد الأكليليين , وابن الضحاك سيد حاشد , وغيرهما كما أن دعوته لم ترق كثيراً في أعين الساسة أو في الأواسط السياسية بل وجدت مقاومة عنيفة من جميع العناصر اليمنية" [1]

وقد ناضل الهمداني ضد الأئمة الذين كانوا يرون في أنفسهم سمات عرقية تميزهم عن الناس وتبرر أحقيتهم وأفضليهم للحكم . ولذا فلا غرابة أن نجد الهمداني متعصبا لقحطانيته , ويدافع عنها حينا بالكلمة محرضا ومدافعا , وحينا آخر بالسيف , مما أدى إلى سجنه بعد أن تآلبت عليه أعداؤه . ومع ذلك فقد أثر سجنه في زوال ملك الإمام الناصر , وقتل أخيه الحسين عندما ثارت القبائل الهمدانية ضد الناصر حمية الهمداني.[2]

ومما لا شك فيه أن حياة زاخرة ومليئة بالصراع السياسي والفكري لا بد وأن تنعكس على النتاج الفكري للهمداني وعلى تناوله ورؤيته التاريخية ولعل أهما العودة إلى تاريخ اليمن القديم متجسدة في مؤلفه الموسوم ( الإكليل ) الذي وضعه في عشرة مجلدات , إضافة إلى اهتمامه الكبير بالأنساب حتى عرف بالنسابة , ومن خلال هذا العمل يستطع القارئ أن يتعرف على حضارة اليمن القديمة بكل تجلياتها ومن نظم حكم وفنون وقصور وسدود زراعية .. الخ

[1] أبو الضياء عبد الرحمن بن علي الديبع الشيباني , كتاب قرة العيون لاخبار اليمن الميمون , تحقيق محمد بن علي الاكوع , صفحة 126 الطبعة الثامنة 1988 صنعاء .

[2] قرة العيون نفس المرجع.




59

.................................................. .................................................. ..................................






ويمكننا اعتبار الهمداني بداية الوعي المبكر للبحث عن إعادة تشكيل الذات اليمنية المتفردة ذات الحضور التاريخي الكبير بعد كادت تغيب . وإذا كان هناك البعض ممن يرى أن في هذا الحس المضمخ بالذات اليمنية نوعا من التعصب والهوى , إلا أن الغالبية العظمى من المؤرخين والمهتمين تعتبره ( أبو المؤرخين وشيخهم الأول).[1]

التقى الهمداني مع غيره من مؤرخي عصره ومن سبقه في الخطوط العريضة لدى تناوله قصة بلقيس . إلا أنه تميز عنهم بإبرازها كملكة مقتدرة حكيمة وعظيمة سعت إلى سليمان بدافع الإيمان , كما حرص على إظهار يمنيتها من خلال إصرارها على الزواج من ذي بتع ملك همدان . والهمداني هو من أعطى اسمها بعدا يمنيا وفي هذا يقول :" إن بلقيس واسمها بلقمة بنت الشرح بن ذي جدن بن اليشرح بن الحارث بن قيس صيفي " [2]. ولا يخفى هنا ارتباط هذا الاسم بالإله ( المقه ) . أما بلقيس فهو منقول عن العبرية Peligesh المأخوذ عن اليونانية ويعني الجارية أو المحظية. وهنا ندرك دلالة الاسم الذي درج أصحاب الأخبار على تسميتها به. وانطلاقا من اعتزاز الهمداني بتاريخ آبائه القدامى , سعى إلى إبراز عظمة ملوكه ومجدهم وقوتهم , وحظيت بلقيس بنصيب كبير من الذكر والإشادة في عدة مؤلفات لعل أهمها , بعد ( الإكليل ) , قصيدته ( الدامغة ) التي سنتناولها في الباب الثالث.



[1] د. شاكر مصطفى , التاريخ العربي والمؤرخون دراسة في تطور علم التاريخ ومعرفة رجاله في الإسلام ,, الحزء الثاني.

[2] أبو محمد لسان اليمن الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني , الإكليل , الجزء الثاني , صفحة 70.




60

.................................................. .................................................. ..................................





رابعاً : نشوان بن سعيد الحميري :

لا نذهب بعيداً إذا قلنا إن نشوان بن سعيد الحميري هو امتداد للهمداني في سهة همته وعزارة علمه وفي صراعه مع الأئمة ومفاخرته بقحطان . بل أن نشوان لم يكتف بذلك , وإنما سعى أيضاً إلى " الخلافة فحظي بإجابة ساحقة , وكون له إماره في بلاد صعده وتمذهب على مذهبه فرقة تسمت بالنشوانية عاشت ردحاً من الزمن."[1]

اقتفى نشوان أثر الهمداني في الاهتمام بالتاريخ اليمني وإبراز المجد الغابر لليمنيين والتفاخر بملوك حمير وأقيالها , وذلك لإذكاء عظمة الآباء والجدود في نفوس الأبناء كي يستعيدوا دورهم الريادي بعد أن تراجعوا للظلل في عهود الأئمة .

ونستطيع القول بأن قصيدته المشهورة في ملوك حمير وأإقيال اليمن وشرحها , ليست سوى تتبع لتاريخ ملوك اليمن وأقيالها وما شهدته من امجاد وحضارات على غرار ما نسجه الهمداني في قصيدته (الدامغة) , ولنفس الدوافع والأهداف وإن تباعدت السنوات بينهما إضافة إلى هذا قد كانت مؤلفات الهمداني كانت من اهم المصادر التي اعتمد عليها نشوان بن سعيد الحميري.

لم يتخلف تناول نشوان الحميري لقصة بلقيس عن تناول وهب بن منبه أو عبد بن شرية الجهرمي , سواء في الاطار العام أو في حتى مجمل التفاصيل , غير أنه تميز عنها في تصويره للقاء الذي تم بين الملكة بلقيس والنبي سليمان كلقاء عبر عن إرادة السماء, لهذا نجد اللوحة الغرامية والإشارات المبطنة بالدلالات الحسية الدنيوية اختفت في تناول نشوان الحميري . فقصة الصرح أنما وضعت" ليريها ملكاً أعز من ملكها وسلطاناً أعز من سلطانها ". [2] وبالتالي لإقناعها ودعوتها للإسلام . أما قصة زواجها , فهو يقدم رواية تزويجها من ذي بتع ( واسمه موهب إل , وإل اسم الله تعالى أي هبة الله عز وجل وحمير تقول : اسم ذي بتع بريل .)[3]

أما في كتابه ( شمس العلوم ) فيورد اجتهادا في دلالة اسمها , فيقول : " وبلقيس اسمان جعلا اسما واحدا , مثل حضرموت وبعلبك , وذلك أن بلقيس ملكت الملك بعد أبيها الهدهاد , قال

[1] نشوان بن سعيد الحميري , ملوك حمير وأقيال اليمن , صفحة 57.

[2] نشوان الحميري , نفس المرجع 112.

[3] في نفس المرجع.




61

.................................................. .................................................. ..................................





بعض حمير لبعض ما سيرة هذه الملكة من سيرة أبيها , فقالوا بلقيس , أي بالقياس , فسميت بلقيس."[1]
وإذا كان نشوان بن سعيد الحميري قد التزم في شرح قصيدته إلى حد كبير بمن سبقه , وقدم رواية تزويجها من ذي بتع , مؤخراً الرواية التي التقى عندها من سبقه , إلا انه هنا , انطلاقاً من اعتزازه بيمنيته وتعصبه لها ورفضه أن تكون اليمن تابعاً تحت أي ذريعة أو مسمى , يقول :" ولما وفدت بلقيس على سليمان قال لها لابد لكل امرأة مسلمة من زوج فقالت إن كان لابد منه فذو بتع , تعني الملك ذا بتع الأصغر واسمه نوف بن موهب إل بن حاشد ذي مرع بن أيمن بن علهان بن ذي بتع الأكبر بن يخصب بن الصوار , فتزوجها فولدت له أسنع يمتنع وأنوف ذا همدان الاكبر وشمس الصغرى أم تبع الأقرن , وهو ذو القرنين , ومن ولدها الثوريون وهم ولد ثور وهو ناعط بن سفيان منهم المرانيون باليمن من ولد عمر بن ناعط , وقد قيل أن سليمان تزوجها ولم يصح ذلك.[2]



[1] نشوان الحميري , كتاب شمس العلوم منتخبات من أخبار اليمن , صفحة 9.

[2] شمس العلوم نفس المرجع صفحة 10.




62

.................................................. .................................................. .....................................




ونشوان هنا يرفض رواية زواجها من سليمان , بل ويجعل نم ارتباطها بذي بتع فاتحة لانجاب مزيد من السلالة اليمنية , وأعطاها بعداً اسطورياً , فقد جعل منها جدة لشخصية اسطورية ورد ذكرها في جميع الكتب السماوية كما اعطى أبناءها أسماءاً يمنية الأصل والمحتد بعد أن درج الإخباريون على قصة انجابهم لرحبعم . وفي هذا تمسك بيمنيته وغيرة عليها بل ورؤية ذات اجتهاد شخصي استنبطه من قراءة التاريخ بطريقته المستقلة وإن جمحت للخيال وابتعدت عن الحقيقة التاريخية , إلا أنها رؤية تحررت من الأحكام والمسلمات السابقة التي تواترت دون نقد أو تمحيص.




المبحث الثاني


ملكة سبأ عند المؤرخين


العرب والقدامى


يرجع اهتمام المؤرخين العرب القدامى بتاريخ اليمن إلى عدة أسباب لعل أهمها تلك الإشارات القرآنية التي , وان ارتبطت بالتفسير بالمقام الأول إلا أنها دفعت المؤرخين إلى الاهتمام بالمعارف التاريخية القديمة لليمن لتسجيلها وروايتها كما أن ارتباط جانب كبير من التاريخ العربي الجاهلي باليمن دفع الناس أيضاً , ومن منطلق ديني , إلى دراسة أحوالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمعرفة الأثر الذي أحدثه الإسلام فيها.

غير أن تلك الكتابات لم تقم على تحليل الأحداث والنظر في الأسباب والمسببات نظراً لقصور في الرؤية والمنهج , مما أدى إلى رتابة التكرار والنقل من بطون الكتب , وهكذا نجد أن تناول المؤرخين العرب , أمثال اليعقوبي والطبري والمسعودي وابن الأثير , لم يخرج تناولهم لقصة الملكة بلقيس عن تناول من سبقهم من الجيل الأول أمثال وهب بن منبه وعبيد بن شرية الجر همي وغيرهما . وسوف نتوقف وقوفاً عابراً عند أبرز أولئك المؤرخين حرصاً منا على الإحاطة الشاملة بالموضوع . بالرغم من أننا لا نجد لديهم أي جديد في الطرح.





63

.................................................. .................................................. .......................................






أولاً : الطبري ( المتوفى 310هـ / 922 م ) :

يشير الطبري إلى بلقيس بـ ( بلقمة ابنة اليشرح ) . ويسرد نفس التفاصيل التي نلخصها فيما يلي :

* أن الهدهد هو سبب مراسلة سليمان لها , وذكر أن سليمان افتقد الهدهد في مسير كان يسيره في إحدى غزواته .
* الإشارة إلى الهدايا .
* إن مسيرها إلى سليمان كان سلما بغير حرب أو قتال .
* أورد قصة تنكير العرش والأسئلة التي وجهتها إليه.
* ذكر الروايتين بشأن زواجها , الأولى أنها تزوجت من سليمان , والثانية زواجها من ذي بتع , ملك همدان , فيقول :"ثم ردها إلى اليمن , وسلط زوجها ذو بتع على اليمن , ودعا زوبعة أمير الجن فقال:" اعمل لذي بتع ما استعملك لقومه".[1]


[1] إبن جرير الطبري , تاريخ الطبري , طبعة دار المعارف , القاهرة.




64

.................................................. .................................................. ......................................





ثانيا : اليعقوبي : ( المتوفى 292/ 905م):

جاء في مؤلفه أن بلقيس ملكت عشرين ومائة سنة ثم كان من أمرها مع سليمان ما كان , فصار ملك اليمن لسليمان بن داوود عشرين وثلاث مائة سنة ثم ملك رحبعم بن سليمان بن داوود عشرة سنين , ثم رجع الأمر إلى حمير فملك ياسر ينعم بن عمر بن يعفر بن شرحبيل واشتد سلطانه فكان ملكه 85 سنة"[1]

ثالثاً : الثعالبي ( المتوفى 427 هـ ) :

يورد نفس التفاصيل فيما يتعلق بالهدية والرسل والصرح .. إلخ , مشيراً إلى زواج بلقيس من سليمان . كما يطرح الرواية الأخرى التي تتضمن زواجها من ذي بتع , والذي عاشت بعد وفاته سبع سنوات وسبعة أشهر , لتدفن بعد ذلك في قبر مجهول بتدمر." [2]

رابعاً : ابن الأثــــير :

بعد أن يكرر ما جاء به البعض من اقتتال الحيتين وعدم اصطياد الظباء ثم تزويج أبيها ببنت ملك الجان مكافأة له , نجد ابن الأثير يستطرد في سرد التفاصيل بدءاً من الهدهد وانتهاء بزواج من سليمان , ويشير إلى أن سليمان أقرها على الحكم في اليمن وكان يزورها مرة كل ثلاثة أشهر لمدة ثلاثة أيام , كما يروي القصة الأخرى لزواجها من ذي بتع .

وبالرغم من التقائه مع غيره من المؤرخين إلى درجة التطابق , إلا أنه يبدي رأيه الذاتي حول ما ورد في القصة , فعلى سبيل المثال , يشير إلى قصة زواج أبيها من بنت ملك الجن قائلاً : " وقيل في سبب نكاحه إليهم غير ذلك , والجميع حديث خرافة لا أصل له ولا حقيقة ". [3]




[1] اليعقوبي , دراسات يمنية 237.

[2] الثعالبي.

[3] إين الأثير , الكامل في التاريخ , صفحة 232.




65

.................................................. .................................................. .......................................




خامساً : المسعــــــــودي :

لم نجد في مؤلفه القيم ( مروج الذهب ) قصة اللقاء الذي تم بين الملكة بلقيس والنبي سليمان , وبدلاً عن ذلك حاول أن يضع تسلسلاً زمنياً لملوك اليمن ذكر فيه أن بلقيس ملكت بعد الهدهاد بن شرحبيل سبع سنوات , ثم ملك سليمان 23 عاماً , الأمر الذي يعني أن الملك انتقل إلى سليمان وخرج من يد اليمنيين.

ويلتقي المسعودي مع ابن الأثير في إبداء رأيه الذاتي حول قصة مولدها , ويقول : " كان لمولدها خبر ظريف ذكرته الرواة فيما روي أنه تصوير لأبيها في بعض قنصه حيتان سوداء وبيضاء ... الخ الرواية " ويستطرد معقباً على القصة بشكل عام قائلاً :" إنما نحكي هذه الأخبار على حسب ما وجدنا في كتب الإخباريين وعلى حسب ما توحيه الشريعة والتسليم بها وليس قصدنا من ذلك وصف أقاويل أصحاب القدم لأنهم ينكرون هذا ويمنعونه."[1]
* * * *

[1] المسعودي , مروج الذهب , ( 1/ص81).




66

.................................................. .................................................. ....................................















رد مع اقتباس
  #2  
قديم 08-04-2009, 02:43 PM
الصورة الرمزية حماد مزيد
حماد مزيد حماد مزيد غير متواجد حالياً
مجلس إدارة وحي بلقيس
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: فلسطين
العمر: 55
المشاركات: 2,409
معدل تقييم المستوى: 10
حماد مزيد is on a distinguished road
افتراضي

الفصل الثالث


ملكة سبأ


عند


المؤرخين المحدثين






67

.................................................. .................................................. ...........................






في الوقت الذي واصل فيه المؤرخون اليمنيون المحدثون الاهتمام بالملكة بلقيس , مفسحين لها مكانا في معرض تناولهم للتاريخ اليمني , نجد أن المؤرخين العرب المحدثين لم يولوا هذا الأمر الاهتمام الجدير بمكانتها في البنية الثقافية في التاريخ اليمني . إذ ان المفهوم الحديث للتاريخ , كما يراه المهتمون اليوم , لم يعد عملية تسجيل للوقائع والأحداث والسير لحفظها والتذكير بها , بل أصبح مرتبطا بعملية التطور الحضاري بشكل عام في جميع المجالات , فكما يعالج عالم النفس الكوامن الغامضة والعميقة من ذاكرة الفرد في شعوره ولا شعوره , كذلك يفعل المؤرخون , على أن يكون لديهم الخيال الخصب ليعينهم على تقمص الماضي واستحضاره , إضافة إلى امتلاكهم الاستعداد الذهني القادر على اكتشاف العلل والأسباب من خلال النتائج والظواهر.

لا يزال الكثير من المؤرخين العرب ينظرون إلى ملكة سبأ نظرة متشككة لما أحاط بها من منحى أسطوري , ولعدم توفر الوثائق التاريخية من حفريات ونقوش , الأمر الذي دفعهم إلى الإحجام عن الخوض في هذا الموضوع خوفا من أن يجدوا أنفسهم في حلقة مفرغة يكررون نفس الروايات السابقة والمأخوذة من بطون الكتب.

إلا أننا نرى إن هذا الإحجام ليس له ما يبرره , لأن الكثير من تاريخ اليمن القديم , من جهة , لا يزال مجهولاً ومطموراً تحت أنقاض التاريخ في انتظار المؤرخين للبحث عنه ودراسته الدراسة الجديرة بذلك التاريخ العريق ومن جهة أخرى , فإن المنحى الأسطوري الذي أحاط الملكة , هو تعبير عن مرحلة ذهنية تفاعلت مع الكثير من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية والثقافية . وهو أمر جدير بالتحليل والدراسة . وقد أشار البعض [ كرانت ] إلى وجود ما هو شبيه التاريخ الذي لا يسجل ما حدث بل ما حسبه الناس أو اعتقدوا في أوقات مختلفة أنه قد حدث . ولعل في هذا ما يدفعنا إلى الاهتمام بهذا ( الشبيه ) وخاصة إذا ما أدركنا أنه " لكي تتكون فكرة عن حضارة ما يلزمنا تاريخ وشبيه للتاريخ ." [1] وبهذا يصبح التاريخ وجوداً حياً , وبنية ذهنية, ووحدة عضوية.





[1] ك.ك. راتفين , الاسطورة , ترجمة جعفر صادق الخليلي , صفحة 22.

68

.................................................. .................................................. .................................................. ..........................







الفرع الأول


ملكة سبأ عند المؤرخين الكلاسيكيين


( 1 ) أحمد حسين شرف الدين :
في معرض حديثه عن معبد أوام , ( معبد المقه ) , في مدينة مأرب , يشير شرف الدين إلى أن أقدم نقش على خائط المعبد يحمل اسم ( يدع إل ذراح ) , مع انه يرى أن الباني الأصلي للمعبد هو أبوه ( سمهعلي ينوف ) المكرب الأول لسبأ ( 850- 820 ق . م ) , وهو على حد قوله " الحفيد الثاني أو الثالث من المكربين اللذين خلفوا ملكة سبأ على العرش."[1]
أما عن كيفية توصله إلى أن دولة سبأ بدأت قبل القرن العاشر قبل الميلاد , فهو يبني استنتاجه على أساس زيارة ملكة سبأ لسليمان الذي عاش في القرن العاشر قبل الميلاد ( 972- 933 ق . م ) فمن المحتمل أن مكربين آخرين ملكوا سبأ قبل هذه الملكة التي نص القرآن الكريم على زيارتها لسليمان , ... ولكنه ولكنه لم يعثر في أي مكان على أي نقش يعود على ما قبل تاريخ ( سمهعلي ينوف ) الذي يحتمل أنه الباني الأول لمعبد أوام والمخطط لبناء سد مأرب وغيره من المعابد التابعة لمأرب وصرواح والمساجد " [2] ويشير بعد ذلك إلى إسلام ملكة سبأ وبنائها هيكل عند عودتها لا يزال يعرف حتى الآن بهيكل سليمان .

( 2 ) محمد علي الحداد :
وهو كسابقه , يحدد تاريخ بناء دولة سبأ وفقاً لما ورد في التوراة من جلوس سليمان على عرش إسرائيل حوالي 950 ق.م. فيقول : " وبناء على هذا , فيكون تاريخ بداية دولة سبأ هو قبل عام 800 ق.م. , بل قبل تاريخ وجود الملكة بلقيس على أساس أنها ليست أول ملك سبئي .[3] ويستطرد ليقول :" وهذا يفتح لنا بابا للوصول إلى تاريخ عهد الملكة بلقيس التي لا سبيل إلى إنكار وجودها والتي ذكرها القرآن الكريم ولو لم يكشف عن اسمها في آثار سبأ حتى الآن ."[4]




[1] أحمد حيسن شرف الدين , تاريخ اليمن الثقافي الجزء 2 سلالة يعرب بن قحطان , صفحة 21.

[2] نفس المرجع صفحة 22.

[3] محمد الحداد , التاريخ العام لليمن قبل الاسلام , الجزء الأول , صفحة 54.

[4] نفس المرجع , 224.



69
.................................................. .................................................. .....................








( 3 ) محمد بن علي الأكوع :
يورد المؤرخ العلامة محمد الأكوع رأيا لجرجي زيدان الذي يرى أن بداية دولة سبأ نحو 850 ق.م إلى 115 ق.م ثم يفند هذا الرأي استنادا إلى الحقائق الإيمانية فيقول : وهذا الافتراض معرض للنقاش كما سلف لنا , فبلقيس ملكة سبأ التي حكى الله عنها القصة مع سليمان , كانت في القرن التاسع قبل الميلاد , وأن التوراة ذكرت ( سبأ ) وهي أيام موسى وقبل سليمان بثمان مائة عام ولا تذكر ذلك إلا وهي دولة قائمة بعيدة الصيت , وأنه بطبيعة الحال قد سبقها ملوك, وليست بلقيس أول ملكة لدولة سبأ ." [1]



[1] محمد بن علي الأكوع , اليمن مهد الحضارة , 1982 , صفحة 363.



70
.................................................. .................................................. .....................





الفرع الثاني


ملكة سبأ عند المؤرخين المحدثين


( 1 ) مطهر بن علي الأرياني :
في معرض حديث له [1] حول الملكة بلقيس يتطرق المؤرخ إلى ما يكتنف هذا الموضوع من اختلاط الحقائق بالأساطير , مبدياً اعتذاره عن الإيجاز بالنظر إلى أن " ذكر هذه الملكة العظيمة لم يرد بعد في نقوش المسند , فإن الحديث عنها من خلال النقوش لا يزال متعذراً ولهذا لم استطع أن أقدم المعلومات الجديدة بما فيه كبير نفع وفائدة ."
ومن هنا نلمس تأكيد المؤرخ مطهر الأرياني على أهمية النقوش كمصدر أساسي لتزويدنا بمعلومات علمية عن بلقيس ملكة سبأ , كما نلمس قدرته على الموازنة والتقصي وإبداء الرأي من خلال طرحه الشمولي حيث تطرق إلى الموضوع من جميع الزوايا . ونتناول فيما يلي ما جاء في حديثه .
في البداية يقر المؤرخ أن " ملكة سبأ حقيقة تاريخية لا مراء فيها منطلقا من الحقائق الإيمانية التي جاءت بها الكتب السماوية . ثم يشير إلى ما ذكره المفسرون من عهد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) حول اسمها وإجماعهم بأنها كانت بلقيس وأن هذا الاسم هو اسم علم لها . ثم اختلف الرواة في نسبها , فقيل ( بلقيس بنت الهدهاد بن شرحبيل ) وقيل ( بلقيس بنت شراحيل بن إلى الحارث ) , وقيل ( بلقيس بنت إلى شرح بن الحارث ) ثم يتوقف عند محمد ابن الحسن الهمداني , الذي يقول مؤرخنا بأنه أول من قال بأنها كانت تسمى يلقمة بالياء المثناه وبلقمه بالباء الموحدة وعنه أخذ الآخرون , وكلام الهمداني عنها في عدة مواضع من مؤلفاته يوحي بوجود صلة قوية بين اسم الملكة وبين اسم إله سبأ الأعظم ( المقه ).
ومن هذا الربط يطرح المؤرخون رأيا اجتهاديا , له ما يبرره من وجهة نظرنا , حيث يقول : " فإذا ماعرفنا أيظاً ( إل قيس ) اسم من أسماء الالهة القديمة وأن كلمة ( قيس ) تعني القوة والقدرة , وقد يوصف بها أي اله بما في ذلك الاله المقه فيذكر بأنه ( إل قيس ) اسم من اسماء الالهة القديمة وأن كلمة قيس تعني القوة والقدرة , وقد يوصف بها أي اله , بما في ذلك الاله ( المقه ) فيذكر بانه ( إل قيس ) أي إله قوة وقدرة ... واستطعنا أن نتصور الكيفية التي حاءت بها صيغة الاسم ( بلقيس ) بعد دخول حرف الجر ( ب ) عليه , والذي يفيد التوسل والضراعة , مع دخول

[1] خطاب مخطوط رد على سؤال وجهته الباحثة إلى الاستاذ مطهر بن علي الارياني.



71
.................................................. .................................................. ..................



التسهيل على الهمزة ثم الحذف والاستغناء وبقاء اللام وحدها مسبوقة بحرف الجر الذي يفيد ما ذكرنا .

نعود فنقول : إن هذا الاجتهاد له ما يبرره , وخصوصا إذا ما استعدنا أنه في الأزمنة القديمة كان الملوك عادة ما يدعون النسب إلى إلههم , وفي التوراة " نجد أكثر من ملك واحد من ملوك الأراميين أسياد دمشق يدعى ( إين حدد ) أي ( ابن الإله الخالد ) الذي كان اعظم الآلهة الذكور في سوريا .. ويظهر اسم الملك ( باريكوب ) الذي حكم ( صامال ) في شمال غربي سوريا في أيام ( طغلاث فلاصر ) ( 745 ق . م – 727 ق . م ) أنه عد نفسه ابنا ل ( ريكوب إل ) الإله الذي قال الملك أنه مدين له بمملكته . [1] ومما لا شك فيه أن اليمن قد عاشت جزءا كبيرا من عملية التفاعل بين الحضارات في تلك المنطقة . فإذا ما أدركنا العلاقة بين (إل) التي تعني الاله الأكبر عند الساميين , إضافة إلى ماكان يدعيه ملوكهم من تجسيد أنفسهم آلهة , أو اتخاذ بعض منهم أسماء تتألف بعض أجزائها من اسمي ( بعل ) و ( عشتروت ) , إذا ما أدركنا ذلك ورد إلى أذهاننا ذلك الاجتهاد الذي طرحه الأستاذ مطهر الإرياني حول دلالة أسمها واشتقاقه من ( إل قيس ) , وهو اسم من أسماء الآلهة القديمة , كما ورد آنفاً .

أما بالنسبة لدخول حرف الجر عليه , الذي يفيد التوسل والضراعة , فهو أيضا لا يذهب بعيدا مع ذلك التفكير الأسطوري الذي التقى مع التفكير الجاهلي , حيث وصلت إلينا أسماء ارتبطت بذكر الآلهة القديمة مثل ( عبد شمس ) و ( عبد ود ) و ( عبد مناف ) وغيرها .

ويمضي المؤرخ في طرح ما جاءت به الروايات العربية في إيجاز بالغ وكان أهم ما جاء فيها " ودانت لها البلاد قاطبة حتى الملوك الموالين لبابل وفارس والروم , وفي عهدها تولى الملك في بلاد الشام سليمان بن داوود النبي الحكيم , وأثناء إقامته بإحدى عواصمه , وهي تدمر قام برحلات إلى اليمن ودخل عاصمتها مأرب وأكرمته الملكة بلقيس كل كرم ثم تزوجته ورحلت معه إلى تدمر وليس أورشليم حيث أقامت معه هناك حتى توفيت ودفنت هناك."


[1] جيمس فريزر , أدونيس , ترجمة جبرا إيراهيم جبرا صفحة 25 ويضيف في كل صفحة 26 : كما كان ملوك صور يرجعون نسبهم إلى بعل " بل واعتبروا أنفسهم آلهة . كما اتخذ منهم أسماء تتألف بعض أجزائها من اسمي بعل وعشتروت."



72
.................................................. .................................................. .......................







ولا يفوت مؤرخنا , وهو الباحث المتقصي , أن يسلط الضوء على الرواية الحبشية التي تدعى انتساب الملكة بلقيس إلى الأحباش , مفنداً ذلك الادعاء , فيقول : " وبعد ذكر التوراة لها , جاء المؤرخ اليهودي ( يوسفوس ) فقال أن اسمها ( نقاليس ) وأنها تزوجت من سليمان , وأنه من نسلها ملوك الحبشة . والتقط الأحباش هذه الرواية عن ( يوسفوس ) فجعلوا كل ملك من ملوكهم يلقب بعبارة ( سبط يهودا ) , أي أنه من نسل سليمان من زوجه ملكة سبأ التي جعلوا لها بدورهم اسماً هو ( ماكدا ) أو ( ماجدا = ماجده ) . ومما لا شك فيه أن العلاقات السياسية والاجتماعية والتاريخية بصفة عامة , كانت قوية جداً بين اليمن و ( الحبشة = أثيوبيا ) , ولكن هذا لا يعطي المؤرخين ذوي النزعات الدينية المتعصبة من يهودية ومسيحية الحق في أن يجعلوا الأصل فرعاً والفرع أصلاً . فمن الأمور المسلم بها اليوم بين كل الدارسين أن اليمن هو الأصل بينما مملكة الحبشة والأكسوم ليست إلا امتدادا وتفرعا من هذا المنبع الأصل ."
وبعد أن يستعرض الموضوع من زاوية تاريخية تقليدية , وإن كانت لا تخلوا من لمسات اجتهادية واضحة , ينتقل المؤرخ إلى الحديث عنها من خلال النقوش بتناول علمي تمتزج فيه الحقائق العلمية بالرؤى الحضارية . كما تمتزج ذاكرة الصخور بالذاكرة الجمعية للشعب , فيقول : " أما نقوش المسند اليمني , والذي يفترض أن تكون إسناداً أو خليفة لما جاء في الكتب السماوية ومصدر لشرح وتفسير ماجاء فيها مقتضباً وموجزا طبقا للأصول البلاغية البيانية التي يقصد بها العظمة والعبرة لا تدوين التاريخ وتفصيلاته .. فإن العلماء والدارسين يقرون أنه لم يرد في أي نقش منها لا اللقب ( ملكة سبأ ) ولا الاسم ( بلقيس ) . أي أن النقوش التي بين أيدينا حتى اليوم , لم تحدثنا بعد عن ملكة تولت عرش مملكة سبأ , لا بلقبها السياسي ولا باسمها العلم تبعا لذلك.
ولكن العلماء والدارسين يقرون أيضاً , بأن ما أصبح في أيدينا ليس هو كل النقوش ولا معظمها , بل إنه على الأرجح ليس إلا الجزء الأقل منها , بينما لا تزال الأرض اليمنية تحفظ في طياتها ألوفاً اكثر من الألوف التي تم العثور عليها من المساند , ولهذا فإن ما تم اكتشافه لا يصلح دليلاً لنفي أو انكار وجود ( ملكة سبئية ) , أو استبعاد أن يكون اسمها هو ( بلقيس) الذي احتفظت به الذاكرة العربية , وهي الذاكرة الأكثر قرباً والتصاقاً بالموضوع وبمسرح حدوثه في غابر الأزمان . والنقوش التي بين أيدينا اليوم , رغم محدوديتها , تقدم لنا الخضارة اليمنية القديمة في مستوى سياسي واجتماعي متطور , لا يتعارض أبدا مع تسنم المرأة لأعلى المناصب وأرفعها , بما في ذلك تسلم مقاليد الحكم والملك ."


73
.................................................. .................................................. ......................






ثم يذكر المؤرخ عددا من النساء اللواتي كان لهن ذكر في النقوش التي تم اكتشافها , الأمر الذي يعكس الحضور الاجتماعي والسياسي للمرأة اليمنية منذ قديم الزمان , فيقول : " بل أن نقشا مهما هو ( أ 0 / 13 ) يحدثنا عن ملكة يمنية قديمة باسم ( ملك حلك ) وبلقب ( ملكة حضرموت ). وتدلنا نقوش أخرى على أن هذه الملكة هي ابنة الملك السبئي الهمداني ( علهان نهفان ) وأخت الملك العظيم ( شعراوتر بن علهان بن نهفان ) ملك سبأ وذي ريدان . كما تحدثنا نقوش أخرى عن عدد من النساء ذوات المكانة الرفيعة واللائي يمكن ادراجهن ضمن الأذواء , فكما إن هنالك ( ذو غيمان ) و ( ذو رزين ) و ( ذوجدن ) مثلا , فإن هنالك ايضا ( ذات حضر ) و ( ذات يفرع ) و ( ذات بني عرق ) ."
ولأن مفهوم التاريخ الحديث أصبح مرتبطا بالتطور الحضاري بشكل عام , حرص الاستاذ مطهر الأرياني , في ومضة مكثفة , من خلال استبطان للتاريخ اليمني القديم والاسلامي , حرص على أن يؤكد المكانة الرفيعة التي احتلتها المرأة اليمنية , سواءؤ قبل الاسلام او بعده حيث حكمت الملكة أروى سيدة بنت أحمد الصليحي أكثر من نصف قرن فيقول في ختام حديثه : " وتاريخ اليمن في الاسلام يحمل دلالات واضحة على تقبل اليمن واليمنيين لإعطاء المرأة مكانتها الرفيعة على جميع المستويات , وذلك رغم الواقع الجديد الذي حاول المتسلطون باسم الدين فرضه على هذا المجتمع الحضري بل والحضاري المتطور ."
وهكذا يصبح التاريخ من خلال هذه الرؤية وحدة عضوية ووجدانا حياً.

( 2 ) دكتور محمد با فقيه :
يعتمد الدكتور محمد بافقيه في تناوله للتاريخ اليمني القديم على النقوش والكشوفات الأثرية والدراسات التاريخية الأكاديمية التي تمخضت عنها . كما يظهر تحفظا إزاء تبني وجهات نظر المؤرخين اليمنيين القدامى حول اسم بلقيس , ويقول في بداية حديثه :" لا أميل إلى أنه الاسم الحقيقي للملكة التي ورد ذكرها في القرآن إذ انه لم يعرف كاسم في النقوش اليمنية ." [1] ويرى أن هناك سببان أو تعليلان لانتشار هذا الاسم , عند الهمذاني , يخلطان بين روايات قد تكون إسرائيلية صرفة أو مشذبة بمعارف متناقلة منذ القدم , أو ما كان ماثلاً في نقوش محرم بلقيس عن ( المقه ) و ( شمس ) التي جعلت أختا لبلقيس وذكرت كمعبود لـ ( المقه ) في نفس المحرم أو المعبد .



[1] مقابلة اجرتها الباحثة مع الدكتور محمد بافقيه .



74
.................................................. .................................................. .................





ويتوقف د . بافقيه عند حقيقة وجود نظام الملكات الحاكمات في جنوب الجزيرة العربية , فيقول " بالرغم من وجود إشارات ترجع إلى القرن الثامن قبل الميلاد تدل على وجود ملكات عربيات , إلا أن النقوش اليمنية القديمة والحديثة لم تذكر ملكة حاكمة وإنما ذكرت ملكة كزوجة للمك."

ويطرح د . بافقيه ما طرحه بعض المستشرقين من أن السبئيين لهم أصول مختلفة عن بقية القبائل اليمنية كحمير وحضرموت , وأنهم أتوا ربما من الشمال , وعرفوا نظام الملكات الحاكمات . ويهو يعتمد على دراسة وتتبع التباين بين لهجات القبائل المختلفة , فسبأ قبيلة كغيرها من القبائل العربية التي كونت في كثير من الأحيان ممالك . ويشير د . بافقيه إلى دراسة لصيهد قديم حول رملة السبعتين يتضح من خلالها استقلالهم " بملامح لهجوية مختلفة , كاستعمال سابقة الهاء بدل السين للتعدية ( الفعل هقنا بدل سقنا ) وهذه الظاهرة جعلت بعض المستشرقين يذهب إلى أنها قبيلة اتت ممن الشمال . "

والدراسات التي تشير إلى الأصول الشمالية للسبئيين كثيرة . وسوف نقتطع فقرة من كتاب ( شعوب العهد القديم ) حملت رأيا تفصيليا لما أورده د بافقيه أشارةً .

" قد تدل العلاقات الواضحة في لغات الجزيرة العربية , أنه في الوقت الذي يكون فيه للمعينين والقبانيين أصول من شمال شرق الجزيرة , فإن من المحتمل أن يكون السبئيين قد جاءوا من وسط او شمال الجزيرة العربية . وإضافة الي ذلك ، فإنهم يظهرون بأنهم كانوا أناسا محاربين , قدموا في زمن ما , ونا كان لم يعرف تاريخه بعد , ونفذوا إلى جنوب الجزيرة حيث نشروا تأثيرهم تدريجا على السكان . وعليه فإنه لا يمكن استبعاد انه في حوالي القرن السابع أو الثامن قبل الميلاد كان جزءا من سبأ على الأقل لا يزال ممتدا في شمال الجزيرة ويكتسب هذا الافتراض مغزى عندما يستذكر المرء قصة زيارة ملكة سبأ إلى سليمان " [1]

ويمضي الؤلف مشيرا إلى أنه بالرغم من عدم وجود النقوش التي تؤكد وجودها أو تشير إلى زيارتها , إلا أنه يرى أن الملكات قد لعبن دورا هاما في الحياة السياسية والدينية عند القيداريين

[1] D. J Wiseman < people of old testament , pp 299 , Edition , Oxford Clarendon press.



75
.................................................. .................................................. ...................





, فهل نتجاوز عندما نفترض بانه من هذه المنطقة الشمالية لسبأ انطلقت هذه الملكة التي لم تعطى اسما في رحلتها الاسطورية " [1]

نعود إلى الدكتور محمد بافقيه لنجده يطرح تساؤلا منطقيا مشروعا حول المقصود بالشمال , قد يكون داخل اليمن أو بعيدا يمتد إلى أنحاء الشام , ونحن لا نستطيع تأكيد ذلك أو نفيه إلا بظهور شواهد لا يرقى إليها الشك. ويلاحظ د. بافقيه أنه إلى الشمال المجاور لمنطقة مأرب توجد منطقة الجوف والخصية ووادي الخارف , حيث قامت مدن قوافل هي في نفس الوقت مدن ممالك , والبعض منها يتميز أهلها بظواهر لغوية تثير نفس التساؤلات والفوارق اللهجوية بصورة عامة تعكس أحيانا أصولا للأقوام الذين تختلف لهجاتهم.




[1] نفس المرجع 299.



76
.................................................. .................................................. .....................





ولذلك يرى الدكتور بافقيه , أن " من المحتمل أن السبئيين ربما , على خلاف غيرهم من اليمنيين , عرفوا نظام الملكات الحاكمات كما عرف غيرهم من العرب ولعلهم تخلوا عن هذا التقليد فيما بعد . هذا إذا ثبت نهائيا أن قبائل اليمن الجنوبية لم تعرف نظام الملكات الحاكمات فنحن لا نزال في بداية الطريق بالنسبة للكشف عن الحياة السياسية والاجتماعية في الفترة القديمة ما قيل الميلاد . يضاف إلى ذلك أنه ليس هناك ما يمنع جدلا أن يكون حكم ملكة سبأ حالة استثنائية وهو ما يشير إليه الهمداني وغيره من الإخباريين . هذا من جانب , ومن جانب آخر فقد عرفت الملكات كما عرف ملوك نفس الأسر . وخلاصة الخلاصة ليس هناك ما يجعلنا نستبعد وجود ملكة لسبأ القديمة – المملكة – في القرن العاشر قبل الميلاد " [1].



[1] مقابلة الدكتور بافقيه



77
.................................................. .................................................. .................





المبحث الثاني
ملكة سبأ عند المؤرخين العرب

وبالرغم من الدراسات العربية الهامة التي تناولت التاريخ اليمني القديم , إلا أن قصة الملكة سبأ " بلقيس " لم تنل الاهتمام والدراسة الجادة الجديرة بتاريخ تلك الملكة الذائعة الصيت . فبعض الدراسات توقف عندها وقوفا سريعا , وبعض آخر تعامل معها من منطلق أسطوري لا يتميز بالتقصي والبحث , معللا ذلك بعدم ورود اسمها في النقوش اليمنية , والبعض الآخر توصل إلى اجتهادات منها ما يقلب المعطيات التاريخية النسبية والتي استقرت في الأذهان بعد أن تداخل فيها الموروث الديني والذاكرة الجمعية .

لم تربط الدراسات العربية التاريخية التي أشرنا إليها ربطا جدليا بين المعطيات السياسية والثقافية والاقتصادية وبين الأهمية الإستراتيجية والتاريخية للحضارة السبئية , وموقعها وعلاقاتها مع غيرها من الحضارات المجاورة , والتفاعلات التي تميز بها الشعوب في أطوارها الحضارية التاريخية , وصولا إلى وضع تصور حقيقي ينبني على إعمال العقل والتعلم .

( 1 ) جورجي زيدان :
عند استعراضه لبلقيس ملكة سبأ , انتهى المؤرخ جورجي زيدان بتصنيفها في الطبقة الثانية من ملوك حمير في القرن الرابع بعد الميلاد , أي في الفترة الواقعة ما بين 275 – 525 ميلادية.
وهذا التصنيف أفسح المجال لباحثين أجانب أمثال جون فيليبي لأن يشير إلى أن بلقيس المذكورة ليست هي المقصودة بملكة سبأ التي زارت سليمان , وأن هذه الملكة , أي بلقيس هي الابنة الصغرى لـ ( إل شرح يهدب ) الذي حكم عام 215 ميلادية . وقد جعلها فيليبي معاصرة للملكة ( زنوبيا ) والأميره ( سمرقند ) مرجحا ميلادها حوالي 250 ميلادية .

ومع أن جون فيليبي لا يشكك في وجود ملكة سبأ حقيقة قامت بزيارة للملك سليمان , إلا أنه يستبعد أن تكون بلقيس هذه التي عثر المؤرخون على شجرة نسبها وعلى حقيقة زواجها من ( ذي بتع ) , أن تكون هي ملكة سبأ . ومع ذلك فإن الباحث لم يكشف لنا عن المصادر التي استقى منها تلك المعلومات كما يقتضي البحث العلمي الرصين الذي يعتمد على الحقائق العلمية والوثائق

78
.................................................. .................................................. ......................






التاريخية , وهو المنهج الذي حاول فيلبي أن يتبناه في تناوله للملكة بلقيس , والذي فشل في أن يسير عليه , نظرا لوقوعه في نفس المحذور. [1]

وقد دفعت تلك الاجتهادات التاريخية بأحد الكتاب اللبنانيين وهو إميل حبيشي الأشقر , لإصدار رواية مطولة عام 1957 في ثلاثة أجزاء تحت عنوان بلقيس ملكة اليمن مصدرا إياه لمقدمة عن تاريخ اليمن , ليجعل من بلقيس ابنة لشرحبيل وزوجة لذي بتع أيضا , ولكنها لا تمت كما ذكر إلى ملكة سبأ بصلة , فبلقيس هذه من أبناء القرن الرابع الميلادي.[2] كما جعلها من ملوك حمير وجعل زوجها متيما بحبها لا يرى الوطن إلا من خلالها واصفا إياها :



[1]Johan philby , the queen of saba , quartet books limited , 1981, pp 124.

[2] نفس المرجع 113.



79
.................................................. .................................................. ......................



" صاحب همدان لم يكون يبالي إلا بزوجته , وأي طمع له في أبهة الملك إذا كانت جواهر التاج الحميري لا تتلألأ فوق رأس بلقيس بل أي طمع له في اليمن كلها إذا أغمض الموت عيني بلقيس وانطفأ ذلك الشعاع الذي كان نورا لنفسه وقلبه . أجل لقد جاوز ذلك الزوج الوفي جميع حدود الوفاء , وكان يقول لرجال البلاط : اقسم بالآلهة أني سأحب الموت إذا وضع الموت يده على من أحببت ,ولم يشأ أن يرافق الجيش الذي خرج للدفاع عن الوطن لأنه كان واثقا بأن الوطن سيضيع إذا لم تكن بلقيس تحت سمائه ! كذلك فعل شرحبيل الشيخ " [1]

( 2 ) أحمد فخري :
انتهي المؤرخ أحمد فخري إلى ما انتهى إليه المؤرخون الأقدمون عن ملكة سبأ. وعلى الرغم من اهتمامه الكبير بالتاريخ اليمني القديم , إلا أنه لم يأتي بأي تصور أو اجتهاد ذاتي فيما يتعلق ببلقيس , وكل ما أشار إليه كان استشهادات من بطون الكتب والمؤلفين القدامى مثل ابن عبد ربه في العقد الفريد , وابن الجوزي في مرآة الزمن وأخيرا ابن خلدون الذي ذكر أن بلقيس كانت السادسة في ترتيب من حكموا مملكة سبأ . وجدير بالذكر أن محرم بلقيس أكثر من اهتمامه بالملكة.

( 3 ) جواد علي :
لعل المؤرخ العربي جواد علي هو أبرز المؤرخين العرب الذين أحاطوا بالموضوع بعمق وشمولية , متقصيا للجوانب الاقتصادية والاجتماعية والدينية والسياسية والجغرافية ولتداخلاتها , رابطا الأسباب بالمسببات من خلال منظور علمي تخليلي دون استبعاد الموروث الديني.

جعل جواد علي من تاريخ سبأ , الذي بذل جهدا كبيرا في تقصي أخبارها , مدخلاً للحديث عن ملكتها وسوف نقوم هنا وسوف نقوم هنا باقتطاف فقرات تشير إلى قدم تاريخ السبئيين واستقرارهم في جنوب الجزيرة العربية , وهو الأمر الذي يجعل من تصوير انطلاق رحلة الملكة السبئية من الشمال كما يشير بعض المستشرقين غير مبرر نظراُ لاستقرار السبئيين المبكر في جنوب الجزيرة. يقول جواد علي : " ويرى ( هومل ؟) أن كلمة Sabum = sa-bu-um التي وردت عند ملوك أور في حوالي 2500 قبل الميلاد إنما تعني saba الواردة في العهد القديم ... وإذا ما صح هذا صارت هذه النصوص السومرية أقدم نصوص تاريخية تصل إلينا وفيها ذكر سبأ

[1] أميل حبيشي الأشقر , بلقيس ملكة اليمن , روايات تاريخ العرب والاسلام صفحتي 1 – 690 دار الأندلس , الجزء الثاني , 1983.



80
.................................................. .................................................. .......................




, ويكون السبئيون أول شعب عربي جنوبي يصل خبره إلينا , ونكون بذلك قد ارتقينا بسلالم تاريخهم إلى الألف الثالث قبل الميلاد"[1] .

ويستطرد قائلاً : " ذهب مونتجومري إلى أن السبئيين المذكورين في النصوص السومرية كانوا من سكان العربية الصحراوية , ويرى بعض الباحثين أن مجيء السبئيين إلى ديارهم التي عرفت باسمهم إنما كان ابتداء العصر الحديدي في القرن الحادي عشر قبل الميلاد وذلك بعد مئات من السنين من هجرة المعنيين والقتبانيين "[2]



[1] د. جواد علي , المفصل صفحة 259.

[2] نفس المرجع .



81
.................................................. .................................................. ..................





ومن هنا نستطيع القول أن مملكة بلقيس التي تملك ذلك العمر التاريخي الزمني كانت تقع بدورها في العربية السعيدة , كما أطلق عليها اليونانيون, وكان لمملكتها شأن عظيم عرفه القاصي والداني , حيث سيطرت على التجارة بين الشرق والغرب وأسيا وأفريقيا .

وكنا توقفنا عند الحديث عن المملكة في التوراة عند عبارة وردت على لسانها حيث تقول :

" كان الكلام الذي بلغني في أرضي عن أقوالك وعن حكمتك ولم أصدق ما قيل لي حتى قدمت وعاينت بعيني , فإذا أني لم اخبر بالنصف " , وهو الأمر الذي يعزز وجود علاقات تجارية سابقة على الزيارة , وتأكيدا لهذا المنحى , يقول الدكتور جواد علي :" وإذا أخذنا بحديث التوراة عن تجارة " شبأ " أو " سبأ " , وعن قوافل السبئيين التي كانت تأتي بالذهب واللبان وبأفخر أنواع الطيب إلى فلسطين , فذلك في أيام سليمان وقبل أيامه أيضا , وجب رجع زمان هذه القوافل , إذا إلى الألف الثانية فيل الميلاد, وذلك لأن زيارة الملكة ملكة سبأ , لسليمان كانت حوالي 950 قبل الميلاد , ومعنى هذا أن السبئيين إذ ذاك كانوا من الشعوب العربية الجنوبية النشيطة في ذلك العهد , وكانوا أصحاب تجارة وقوافل وأموال لا يبالون ببعد الشقة وطول المسافة , وصلوا بتجارتهم في ذلك الزمان إلى بلاد الشام" [1]

ويؤكد المؤرخ الكبير وجود الصلات التجارية بين السبئيين والعبرانيين في أكثر من موقع , ويشير بأن بعض العلماء يرون أن تلك الزيارة كانت مرتبطة بغرض توثيق العلاقات التجارية أكثر منها لغرض ديني . ويورد بعض ما كتبه بعض نقدة التوراة عن القصة مشككين في ملكة سبأ ومملكتها , ويقول : ذهب بعض نقدة التوراة إلى أن الغرض من هذه القصة هي أسطورة دونها كتبة التوراة بيان عظمة ثروة سليمان وحمته وملكه . ورأى آخرون أن هذه الملكة لم تكن على مملكة سبا الشهيرة التي هي من اليمن وإنما ملكة على مملكة عربية صغيرة في أعالي الجزيرة العربية كان سكانها من السبئيين القاطنين في الشمال " [2]


[1] نفس المرجع , صفحة 264 .

[2] نفس المرجع , صفحة 262.



82
.................................................. .................................................. ...................





وذهب بعض منهم إلى حد أن أفتوا في تحديد أن هذه المملكة العربية الصغيرة " لم تكن بعيدة عن ملك سليمان , قد تكون في جبل شمر أو نجد أو الحجاز " [1]

وفي اعتقادنا , أن توقف نقدة التوراة أمام انبهار ملكة سبأ بعرش سليمان واستنكارهم لهذا الانبهار إنما جاء من شهرة عرش سبأ الذي لا يقل عظمة وصيتا وغنا , لقد غاب عن ذهنهم الدلالات النفسية التي تضمنتها التوراة وحرصت على إبرازها ليس بهدف بيان ثروة سليمان وهيبة حكمه , وإنما لهدف آخر ذي دلالة نفسية دينية ألا وهي تلك الحالة التي تحدث عند كل لقاء بين ما هو ديني ودنيوي , وما يتبعها من الانبهار أمام كل ما هو غيبي . لقد حاء انبهارها ليجسد الجانب الإيماني الذي انتهى في القرآن الكريم إلى إسلامها مع سليمان لله رب العالمين . هذا في تفنيدنا للرأي الذي يرجح بأن سبب انبهارها راجع إلى كون أنها جاءت من مملكة صغيرة في الشمال .

أما الفريق الآخر , الذي يجعل من طول المسافة وبعد الشقة سببا آخر لإصدار حكمه على ملكة سبأ , فإن المؤرخ الكبير جواد علي كفانا تفنيد هذا السبب الواهي عندما ذكر كما أسلفنا إلى طول باع السبئيين في السيطرة على طريق القوافل الأمر الذي أرجعه إلى الألف الثانية قبل الميلاد.



[1] نفس المرجع , صفحة 263.



83
.................................................. .................................................. ...................




وإضافة إلى ذلك فأن مفهوم الشمال مثلما لاحظنا لذا استعراضنا لآراء الدكتور محمد بافقيه عندما أشار إلى شمال الشمال وقال بأن ذلك قد يكون داخل اليمن حيث توجد إلى الشمال المجاور لمنطقة مأرب ومنطقة الجوف والخصية ووادي الخارف وهي مدن قوافل كانت في نفس الوقت مدن ممالك.

واقتفى الدكتور جواد علي على جمهرة المؤرخين فيما يتعلق بذكر اسم هذه الملكة فيقول " وقد قص القرآن الكريم قصة زيارة ملكة سبأ لسليمان دون أن يذكر اسم الملكة غير أن أهل الأخبار والمفسرين والمؤرخين ذكروا أنها " بلقيس " وإنها من بنات التبابعة , وقد سيرها بعضهم " بلقيس بنت إل يشرح " أو " بلقمه بنت اليشرح " أو " بلقيس بنت ذي شرح بنت ذي جدن بن اليشرح بن الحارث بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب " وهي " بلقيس ابنة الهدهاد ابن شرحبيل " إلى غير ذلك من الأقوال" [1] .

وهكذا نجد أن مؤرخنا لم يكتف بذكر الجوانب التاريخية والاقتصادية , بل ذهب إلى ربطها بالجانب الأسطوري مازجا بين التاريخي والأسطوري والديني والدنيوي مضيفا إلى القصة عمقا خاصا يقربها من الواقع حتى لا تضل في إطارها الأسطوري وخيالها الفني , مؤكدا المقدمة والنتائج ألا وهي مقدمة أسطورة الهدهاد الذي ارتبط في تقديره بقصة الهدهد . ومن هنا تتجلى روعة الأسطورة وتداخلها الفني مع الموروث الديني , إذ يقول " وأرى أن الذين جعلوا اسم والدها الهدهاد , إنما اخذوا ذلك من الهدهد الذي ورد ذكره في القرآن الكريم والذي نقل نبأ ملكة سبأ إلى سليمان" [2]


* * * * * * * * * *




[1] نفس المرجع , صفحة 264 .

[2] نفس المرجع , صفحة 265



84
.................................................. .................................................. ..................
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 08-06-2009, 04:53 AM
الصورة الرمزية حماد مزيد
حماد مزيد حماد مزيد غير متواجد حالياً
مجلس إدارة وحي بلقيس
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: فلسطين
العمر: 55
المشاركات: 2,409
معدل تقييم المستوى: 10
حماد مزيد is on a distinguished road
افتراضي

الفصل الثاني


ملكة سبأ عند الأحباش واليهود








101
.................................................. .................................





تناولنا في الفصول السابقة قصة ملكة سبأ بدءا بالموروث الديني , مرورا بالروائيين الذين مزجوا التاريخ بالأسطورة وصولا إلى اجتهادات المؤرخين اليمنيين وغيرهم من العرب المحدثين الذين استخدموا المنهج التاريخي الحديث القائم على النقد والتمحيص والمترابط ترابطا جدليا مع المعطيات السياسية والاقتصادية والثقافية والتاريخية للحضارة اليمنية . إلا أن مثل هذه القصة التي بقيت عالقة في الموروث الثقافي لكثير من شعوب المنطقة بصيغ وروايات متعددة , ما كانت لتستكمل أبعادها دون أن نتطرق لبقية أطرافها , وما تداخل فيها من اجتهادات وخيال أخذ أبعاده ومناحيه المختلفة ولعبت فيه الدوافع الشعورية واللاشعورية دورا هاما. وما نعنيه هنا هي قصة ملكة سبأ كما تناولها الأحباش واليهود, غير غافلين عن الوظيفة الخلاقة التي تقوم بها الأسطورة كطاقة حضارية حية وكعنصر يغذي , بمقادير متفاوتة , كل فكر ديني أو ميتافيزيقي .





102
.................................................. .................................................. ..................................



المبحث الأول


ملكة سبأ عند الأحباش


إن الحديث عن ملكة سبأ , كما تناولها الأحباش يفضي بنا إلى الحديث عن الحقائق التاريخية التي ربطت الأحباش بالسبئيين , كما يجعلنا نتطرق إلى المناخ الحضاري والثقافي والسياسي والديني التي لعبت المؤثرات الخارجية دورا في صياغته دون أن نغفل أيضا أهمية المؤثرات الداخلية .

مما لا شك فيه أن الأحباش يتداخلون تداخلاً صميما مع شعوب المنطقة وعلى وجه الخصوص مع الساحل الشرقي للبحر الأحمر , بل لنذهب مع العلامة دبيلو. د ي. بورج إلى أبعد من ذلك حيث يقول :
" إن ساميي اليمن والحبشة في الجنوب , وساميي كنعان في الوسط , ثم ساميي سوريا وبابل وآشور في الشمال وهو الآراميون , كانوا أولاد بيت عربي واحد , وروابطهم تبدوا أشبه بروابط التيتون في أوروبا في القرون الوسطى .[1]
لذا فلا غرابة أن تشكل قصة ملكة سبأ محورا لعدد من شعوب هذه المنطقة وتعاملت مع القصة بما يتلاءم مع ظروفها الداخلية والخارجية , وبما ينسجم مع المتغيرات والمستجدات الثقافية والسياسية والاجتماعية , ومع ظروفها الحاضرة وطموحاتها المستقبلية .
يذهب المؤرخون إلى أن الأحباش هم جزء من السبئيين اللذين عرفوا بهجراتهم المتكررة التي عبرت البحر الأحمر من السواحل الغربية لجنوب الجزيرة العربية إلى السواحل الشرقية لأفريقيا , وهو يتنسبون لقبيلة ( حبشت ) التي ظهرت في النقوش اليمنية كما أشار إليها المؤرخ والمستشرق السر بدج , في مؤلفه الشهير ( تاريخ أثيوبيا ) إذا يقول :" إن حبشت هو الاسم الذي أطلق على قبيلة عربية غزت البلاد قرونا عديدة قبل المسيحية وقد أطلق المستشرقون على سكان هذه البلاد اسم الغزاة القدماء . أي الحبشة ." [2]
ومما لا شك فيه أن قبيلة ( حبشت ) هي من القبائل السبئية التي كانت عاصمتها مأرب , ومن هنا تتداخل قصة ملكة سبأ اليمنية و ( ماكيدا ) ملكة سبأ الحبشية , وهناك ما يشير إلى وجود نظائر دينية ولغوية وأثرية في اليمن والحبشة , فقد عثر على أسماء آله مثل أوم , وعثتر , وذوميم

[1] د . أحمد كمال زكي , المرجع السابق , صفحة 37.

[2] E.A. WALILIS BUDGE . " A HISTORY OF ETHIOPIA الطبعة الأولى 1928 , بريطانيا من المقدمة.




103
.................................................. .................................................. ...........................




, والمقه , التي ذكرت النقوش السبئية للدلالة على محرم بلقيس , وكشف ( روسيني ) عن نظائر أخرى مثل ظرهم , وسحرت , وزين , وغيرها من النظائر .[1] كما تشير الموسوعة البريطانية إلى أن الأحباش هم قوم ساميون , كانوا قد نزحوا من جنوب الجزيرة عام ثلاثة آلاف قبل الميلاد وأسسوا مملكة أكسوم كما نشطوا علاقاتهم التجارية مع السبئيين في الساحل الشرقي من البحر الأحمر في نفس الوقت الذي مدوا فيه تجارتهم إلى شمال الحبشة وتواصلوا مع المصريين والنوبيين والكنعانيين ".
وتعزيزا لما نقول , أشار المؤرخ ( ديتلف نيلسن ) إلى تلك الحقيقة بقوله :
" ليس الساميون اللذين خلفوا لنا في بلاد الحبشة آثارا وآدابا هم اللذين ما زالوا يقيمون في البلاد حتى اليوم , ليس هؤلاء هم العنصر الأصلي الذي يتكون منه السكان الأصليون , بل كغيرهم من الساميين الشماليين قد هاجروا إليها من بلاد العرب , وذلك لأن لغتهم عبارة عن لهجة جنوبية يمنية , مازالت إلى اليوم قريبة إلى العربية , هي والثقافة والخط سبئية منذ البداية , وذلك لأن المهاجرين اليمنيين إليها منذ قرون بعيدة أسسوا هنالك مستعمرات ووضعوا الأساس لدولة الحـبشة ( أكسوم ) التي أخضعت فيما بعد , في القرن السادس الميلادي , بلاد العربية الجنوبية ."[2]
إن انتشار السبئيين المبكر ونزوحهم إلى السواحل الإفريقية المقابلة , مثل الحبشة , وأريتيريا والصومال , جعل التوراة تشير إلى سبأ أو شبأ , أحيانا في الحاميين وأحيانا أخرى في الساميين . كما جعلت من شبأ ولدا ليقظان بن موضع , وليقشان في موضع آخر لهذا ميزتهم التوراة عن بقية السبئيين المقيمين في العربية الجنوبية بجعلهم من أبناء ( كوش ) وميزت السبئيين المختلطين بقبائل يقشان بإرجاع نسبهم إلى يقشان , وبذلك صار السبئيون ثلاث فرق بحسب رواية التوراة لانتشارهم وإقامة جماعات منهم في أماكن غريبة عن أماكنهم وذلك قبل الميلاد بمئات السنين.[3]
أشرنا فيما سبق إلى العلاقة الصميمة والمتداخلة التي ربطت اليمن بالحبشة منذ تاريخ مبكر , هي العلاقة التي اتسمت بالمد والجزر والحرب والسلم في المراحل الآتية وعلى وجه الخصوص في الفترة ما بين عام 200 ميلادية إلى 570 ميلادية.
تشير النقوش التي تم العثور عليها إلى تلك العلاقات المتداخلة والمليئة بالصراعات فأشار نقش ( ركمينز ) المرقم 534 PAYCHMANS إلى الحرب التي شنها الملك السبئي ( أل يشرح يحصب ) على أحزاب ( حبشت وذي سهرتن ) , كما قاد الملك السبئي أيضا ( شعراوتر ), حربا

[1] Encyclopedia Btitannica .

[2] د. جواد علي , المفصل , صفحة 261.

[3] نفس المرجع , 262.





104
.................................................. .................................................. ...........................




أخرى ضد الأحباش في محاولة لإخراجهم من اليمن , ومنذ النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي , عادت مملكة سبأ وذي ريدان في التجمع في نهاية ذلك القرن , تحت لواء أمراء وطنيين مثل ياسر يهنعم ثم شمر يرعش الذي لقب ب ( ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت يمنات ) . ويحدثنا التاريخ عن حملاته تلك على قاعدة الأحباش في ( سحرت ) في اليمن , تمكن فيها من تأديب حلفاء الأحباش حيث تقهقروا إلى البحر . [1]
وشهد نهاية القرن الثالث الميلادي تدخل الأكسوميين وسيطرتهم على اليمن حتى نهاية القرن الرابع عندما استعاد اليمنيون استقلالهم .
دخلت المنطقة عوامل جديدة دخول المسيحية إلى الحبشة على يد ( فرومنيتوس ) أحد رجال الدين المصريين , وعملت على زيادة الصراع بين الحبشة واليمن . وسعت الإمبراطورية الرومانية إلى محاولة بسط نفوذها على اليمن من خلال الحبِشة المسيحية بعد فشل حملتها الأولى عام 24 قبل الميلاد , وتحطم أطماعها حين ذاك في الاستيلاء على أهم طرق تجارة التوابل والعطور وعلى ممرات التجارة الدولية . وهكذا دفعت روما بالحبشة مستغلة العامل الديني لتحقيق مآربها بالاحتلال والسيطرة. وكانت حادثة نجران التي تحركت على أثرها الحملة الحبشية على اليمن عام 525 ميلادية التي قام الرومان بأساطيلهم البحرية بنقل الأحباش هي المدخل لاحتلال اليمن وهزيمة ذي نواس. وبقي الأحباش مسيطرين على اليمن إلى أن تمكن اليمنيون بقيادة " سيف بن ذي يزن " من طردهم عام 570 ميلادية بعد أن استعان بالفرس.
وفي اعتقادنا , أن هذه العلاقة المتداخلة والمتشابكة بين اليمن والحبشة كانت هي الجذر الأساسي التي انبثقت عنه فكرة الأسطورة الحبشية . وفي هذا يقول أحد المؤرخين اليمنيين البارزين : ( لعل نسبة القصة إلى القصة يكمن في أمر تلك الهجرة السبئية إلى بلاد الحبشة , التي تمت قبل الميلاد بقرون عدية , وكانت أساسا لقيام دولة أكسوم الحبشية ربما كانت تلك المملكة تخضع لدولة سبأ , وتحكم من حاضرتها مأرب , قصرها سلحين . وربما كان من الجائز أن يفترض المرء استنادا إلى آثار سبأ وانتشارها أن ملك سبأ كان يمتد من مأرب ليشمل اليمن كلها والمستوطنات السبئية في الحبشة وشمال غرب الجزيرة على امتداد طرق التجارة إلى الحبشة وفلسطين.)[2]
على أننا لا ننفي تأثيرها , شأنها شأن بقية الأساطير بالبيئة والمناخ الاجتماعي والثقافي والفكري في الحبشة , لتوظف بعد ذلك توظيفا سياسيا ودينيا كما سنوضح فيما بعد .



[1] عبد المجيد عابدين , بين الحبشة والعرب , صفحة 32 , دار الفكر العربي , القاهرة .

[2] د. يوسف عبدالله , أوراق في تاريخ اليمن وآاثاره الجزء الثاني صنعاء.





105
.................................................. .................................................. ..........................




وإذا كانت أسطورة ( ماكيدا ) عند الأحباش قد تشربت بتأثيرات يهودية ومسيحية وسامية بشكل عام , إضافة إلى بقايا من معتقدات وثنية , فإنها تعكس تعايش تلك المعتقدات جنبا إلى جنب , بل وإلى تداخلها . الأمر الذي يثبت ما اكتشفه ( ليثمان ) في بعض النقوش من أن ( عيزانا ) الذي اعتنق المسيحية وجعلها الدين الرسمي للدولة لقد لقب بعبارة ملك صهيون مما يجعل البعض يرى بوجود حركة تبشير يهودية أو بمذهب يجمع بين المسيحية واليهودية .[1]
وفي حقيقة الأمر فإن الحبشة كإقليم جغرافي ضم ممالك صغيرة وأجناس مختلفة العادات والديانات مما طبع فكر الأحباش وأدبياتهم بطابع ( التوفيقية ) الذي عرف عنهم .
وفي الوقت الذي تم فيه اعتناق الأحباش للمسيحية منذ القرن الرابع الميلادي ساق أحد المؤرخين استشهادا ليسوعي برتغالي في القرن السابع عشر الميلادي يشير فيه المبشر إلى تداخل المعتقدات , وإلى التأثير اليهودي حيث جاء في تقريره أن ديانتهم الحالية لا شيء سوى قصاصات مشوشة من اليهودية والخرافات المحمدية التي يشوهون بها من تبقى من المسيحيين .[2] ولم يقتصر الأمر على تداخل الديانات السماوية . بل أنه في منتصف القرن الرابع الميلادي انتشرت عبادة الأفاعي خاصة عند قبائل ( الجالا )[3].
مما لا شك فيه أن الديانة اليهودية لعبت دورا في صياغة الفكر الحبشي , إلى درجة أن الأحباش اعتبروا أنفسهم خلفاء لليهودية , فأكسوم هي صهيون الحبشة وهي أورشليم الثانية , وكان الأحباش يحجون إلى أورشليم قبل دخولهم المسيحية كما يحج المسلمون إلى مكة.


الفرع الأول


( ماكدا ) في ( كبرا نجست )

[ ملكة الجنوب ستقوم يوم الدين مع هذا الجيل ويحكم عليه أنها أتت من أقاصي الأرض لتستمع حكمة سليمان وهذا أعظم من سليمان ] إنجيل متى 12 – 42.
إن ملكة الجنوب التي تحدث عنها هي ملكة الحبشة , وما يعنيه من عبارة ( من أقاصي الأرض ) إنما يشير إلى خصوصية طبيعة المرأة ورقتها وصعوبة تحملها لمثل تلك الرحلة الطويلة وجوع الطريق والعطش . وكانت ملكة الجنوب هذه غاية في جمال الوجه وذات قامة رائعة وحباها الله الفهم الذكاء وهو ما جعلها تذهب إلى القدس لسماع حكمة سليمان . وقامت بهذا تلبية لأوامر الله

[1] عبد المجيد عابدين , المرجع السابق , صفحة 17 .

[2] Abys – e . ullendorf, st, Andrews hebria – Jewish elements in simian صفحة 215 (Monophysite) Christianity .

[3] نفس المرجع صفحة 228.




106
.................................................. .................................................. .........................




الخيره , إضافة إلى ذلك فقد كانت عظيمة الثراء , إذ حباها الله المجد والبهاء والغنى والذهب والفضة والجمال والعبيد والقوافل التجارية التي كانت تعبر البحر والبر والهند وأســـــوان ( سيناء ) .
وقد كان ( تامرين ) رئيسا للقافلة التجارية التي تضم 520 جملا و 370 مركبا , وعندما سمع سليمان بذلك التاجر الأثيوبي الثري أرسل إليه رسالة وأمره أن يحضر له بعض منتجات جزيرة العرب , الذهب الأحمر والخشب الأسود الذي يقاوم الدود ( الأبنوس ) والزفير . وأحضـــر ( تامرين ) تاجر الملكة ما أمره به سليمان الذي أجزل له العطاء .
ومكث ( تامرين ) عدة أيام في القدس أعجب خلالها بحكمة سليمان وطريقته في حكم شعبه وسدارته لمملكته ولكلامه الواضح وبديهيته وعذوبة كلامه التي كانت كالماء بالنسبة للعطشان والخبز للجائع وأذهلته عدالته وجمال طلعته والغنى والأبهة التي يعيش فيها .
وبعد انتهاء إقامته عاد ( تامرين ) إلى سيدته مقدما لها وصفا لما قام به نيابة عنها , فوصف لها المعبد العظيم الذي بناه سليمان في القدس وكيف شارك في بنائه 700 نجارا و800 عاملا ووصف لها جمال زخارفه ونقوشه وأخذ تامرين يحكي لها يوما بعد يوم , قصصا عن سلطة سليمان وقوته وحكمته وعدالته وبعد مضي فتره , أخذت تسأله عن سليمان شخصيا . وكلما سمعت عنه كلما دفعها الرغبة التي زرعها الله في صدرها للذهاب إلى القدس لرؤية ذلك الرجل الرائع, ففوق كل شيء قد تتعلم منه الحكمة . وكانت كلما سمعت عنه كلما اشتاقت للذهاب ولكن الخوف من طول الرحلة ومشاقها كانا يثنيانها عنها . وأخيرا تغلب شوقها للذهاب على جميع مخاوفها أن رغبتها الكبيرة في الحكمة والمعرفة واللتان كانت تعشقهما قد جعلتها تنوي الذهاب لتعلمهما من سليمان . فأجابها قومها : " مولاتنا , إن الحكمة لا تنقصك ولأنك حكيمة فأنت تحبين الحكمة , وبالنسبة لنا فإنك إذا ذهبت ذهبنا أيضا , وإذا بقيت بقينا هنا أيضا , وسوف نموت معك أو نحيا معك ." وسرعان ما أعد تامرين عدة السفر وجهز 797 جملا وأعدادا لا تحصى من البغال والحمير وانطلقت الملكة في رحلتها , يحيط بها الفخامة والهيبة والهدايا الجميلة .
وعند وصولها إلى القدس رحب بها سليمان ترحيبا حارا وأعطاها مقصورات في قصره. وأمدها طباخوه هي ومرافقيها بالطعام صباحا ومساء , وكان يرسل لها النبيذ والعسل والحلويات من مائدته الخاصة وأعد لها فرقة موسيقية لتعزف لها يوما بعد يوم وكان سليمان يتردد عليها , وتعيد له الزيارات , فأعجبها سلوكه المهذب تجاهها وحكمته وأحكامه وصوته العذب وحديثه الفصيح والبليغ ( كل ما ينطق به كامل ) . فشكرت الله الذي جعلها تذهب إليه لتسمعه . وعندما


107
.................................................. .................................................. ........................





ذهبت لرؤية بيت الله لاحظت أنه كان يعطي البنائين المقياسات ويقدر الأوزان ويرشح لهم كيف يمسكون معدات البناء . وتناهى إلى علمها أنه كان يعرف لغة الحيوانات والطيور .
ودارت وبين سليمان وماكدا أحاديث طويلة , كان حديثه حكيما وكانت كلماته تصل إلى قلبها وعلى المدى استشارته في أمر دينها واعترفت له بانها تعبد الشمس بينما يعبد آخرون الأحجار والأشجار , أخبرته أنها سمعت عن إله إسرائيل والهيكل وألواح موسى , وعندما شرح لها سليمان عظمة وقوة الخالق إله إسرائيل تركت عبادة الشمس وعبدت الله الحقيقي خالق السموات والأرض , وقضت ماكدا سته أشهر في القدس تم خلالها تبادل الزيارات بينها وبين سليمان . وعندما شارفت على الرحيل أرسلت إليه تخبره بذلك فغاص قلبه وفكر عميقا وخطرت له فكرة الزواج من ماكدا الذي اعتبرها امرأة ذات جمال أبدي وفي جوابه أشار إليها بضرورة القدوم إلى قصره للتعرف على نمط حياته , وطلب منها أن تعيش معه موسما كي يكمل لها تعاليم الحكمة . فقبلت الملكة دعوته وانتقلت إلى قصره وأعد لها مكانا تستطيع من خلاله أن تراقب الاستعدادات للحفلة الكبيرة التي بعدها سليمان على شرفها , أما الغرفة التي نزلت فيها فقد زينت بالأحجار الكريمة والسجاجيد الفاخرة , كما زينت بالزهور والبنفسج التي تدلت من الجدران وكان الجو يعبق بالعطور والبخور والكاذي , وقد أخذ البخور يبعث روائحا زكية عند احتراقه وفي هذه الحجرة أطعمت طعاما رائعا وأكلت كمية كبيرة وشربت نبيذا , وكان هدف سليمان أن تعمل هذه البهارات والنبيذ على زيادة عطشها , وهذا ما حدث فعلا , وعند انتهاء الحفلة الملكية أقبل عليها سليمان قائلاً : " ابق هنا وخذ راحتك حتى مطلع النهار " , فأجابته : أقسم لي بإلهك إله إسرائيل إنك لن تأخذني بالقوة لأني ما زلت عذراء وإذا ما اعتديت علي فسوف أعود إلى بلادي نادمة وجيعة وممتحنه " فأجابها " أقسم لك أنني لن أخذك بالقوة ولكن يجب أن تقسمي لي أنتي انك لن تتناولي أي شيء في بيتي بالقوة" فضحكت الملكة وقالت له " كيف وأنت حكيم تتحدث كالأحمق ؟ هل تعتقد أنني سوف أسرق أي شيء أو أن أحمل من بيت الملك أي شيء لم يعطيني إياه الملك . لا تعتقد أنني أتيت إلى هنا جريا وراء الثروة , ولا ابعد من ذلك فمملكتي لا تقل ثراء عن مملكتك ولا يوجد هناك ما أرغب فيه لا أجده , فما جئت إلا طلبا للحكمة. " فقال لها سليمان : كما جعلتيني أقسم فنقسم معا كي نتساوى وما كنت سأطلب منك القسم لو لم تجعليني أقسم " فأجابته " أقسم لي أنك لن تأخذني بالقوة وأنا بدوري أقسم لك أنني لن آخذ شيئا من ممتلكاتك بالقوة " فأقسما .
اعد الخدم السرير لسليمان على جانب من الغرفة وللملكة على الجانب الآخر وطلب سليمان من خادم أن يملأ قربة من بالماء وخاطبه بالعبرية وهي ما تفهمه الملكة , وذهب كل منهما إلى سريرة وكانت الغرفة تضاء باللآلئ وراقب سليمان الملكة تخلع ملابسها في ضوء خافت ,


108
.................................................. .................................................. .........................




استيقظ ( ماكدا ) ووجدت فمها وشفاهها وحلقها جافة نتيجة للطعام الذي تناولته , فأحست بالضمأ الشديد قلبت لسانها ومصت شفتيها ولم تتمكن من أن تبللها بقطرة واحدة , وعندها نهضت وقررت أن تشرب من الماء الذي رأت الخادم يصبه فقامت بهدوء وتسللت بصمت واتجهت نحوها واحتضنت الماء وشربت , فنهض سليمان الذي كان يراقبها ولم ينم وأمسك يدها ومنعها من الشرب قائلا : " لماذا حنثتي يمينك ؟ فأجابته خائفة هل حنثت بيميني عند شربي الماء ؟ فقال لها : " هل تعتقدين ما هو أكثر قيمة تحت السماء من الماء ؟ فأجابته : " لقد أخطأت بحق نفسي وأنت براء من قسمك , فأجاب هل حق أنا براء من قسمي ؟ قالت له " لتحل من قسمك اتركني فقط أشرب " .
وسمح لها بالشرب , وبعد أن شربت نفذ رغبته معها , وناما معا , ورأى سليمان بعد لقائه بماكدا مناما به شمس متوهجة تأتي من السماء وتوقفت في إسرائيل ثم عبرت إلى إثيوبيا وهي أكثر توهجا , وعندها استيقظ منزعجا ونظر إلى الملكة كانت قوية وكان جسدها جميلا وكانت عذراء لم تمس , فقد حكمت ستة سنوات في سبأ وبالرغم من جاذبيتها وفتنتها إلا أنها استطاعت أن تحافظ على جسدها طاهرا وبعد مضي وقت قالت له :" اصرفني ودعني أغادر إلى بلادي " فأجزل سليمان لها العطايا والهدايا ومنحها ستة آلاف جمل وعربات لقطع الصحراء وسفينة للإبحار ومركب صنعها سليمان بالحكمة التي وهبها الله له .
وتوجهت إلى بلادها تحيط به مظاهر البذخ والأبهة وقبل سفرها التقى بها جانبا وألبسها خاتما كان في أصبعه الصغرى قائلاً : " خذي هذا حتى لا تنسيني , أما إذا كنت قد تمكنت من زرعي فيك فسيكون هذا الخاتم علامة وإذا كان طفلا ذكرا فإنه سيأتي إلي ليكن الله معك, اعبدي الله بكل قلبك وروحك , وليكن الله حليفك لتذهبي في سلام . وعندما وصلت إلى BALA ZABISARYA جاءتها آلام المخاض وأنجبت طفلا ذكرا بعد تسعة أشهر وخمسة أيام من أيام وداعها لسليمان .[1]
فهكذا تناول الأحباش أسطورة ماكيدا في كبرا نجست , السفر القومي الذي وضعه نيبورا أديشاق في مطلع القرن الرابع عشر شارحا ومفسرا جميع الأساطير والحكايات المتداولة والتي حتى ذلك الحين لم تجد العقل المفسر والمنسق فعمد إلى تنقيحها وإعادة صياغتها لتلبي حاجة قومية ملحة آن ذاك , ألا وهي تدعيم مزاعم الأسرة السليمانية في أحقيتها بالملك .
ونظرا لارتباط السياسة عند الأحباش بالدين والثقافة فقد كان المحور الرئيسي في كبرى نجست هو قصة ملكة سبأ مع سليمان . ومن المعروف أن مملكة أكسوم انهارت عام 900 ميلادية ونشأت مملكة جديدة تحت حكم أسرة زاجوا عام 1100 ميلادية وظلت مـــسيطرة حتى تمــــــــكن

[1] Budgu نفس المرجع




109
.................................................. .................................................. .........................




( يكونوا أملاك ) عام 1270ميلادية من الاستيلاء على السلطة مدعيا أنه من نسل سليمان وملكة سبأ .[1]
وبهذا استجابت الأسطورة وحورت لتتوافق مع تلك الطموحات السياسية ويتضح إسباغ السياسة على الأسطورة أكثر مما يتضح في ابتداع الخرافات العرقية التي تمكن الطامحين سياسيا من التصريح بأنهم ورثة القيم .[2]
وفي استعراضنا للأسطورة كما وردت في كبرا نجست نتوقف لنتعرف على معطياتها الثقافية والتاريخية والدينية وعلاقتها بالوسط الذي احتضنها .
لعل أول ما يسترعي الانتباه هو طغيان الجانب الحسي او الجنسي على الأسطورة من خلال الأجواء التي أعدت لاستضافة الملكة فهناك التركيز منذ البداية على أن سليمان كان يرسل إليها من مائدته ( النبيذ والعسل ) كما أنه أعد لها فرقة موسيقية لتعزف لها يوميا وهنا لا يخفى التأثير المتبادل بين الموسيقى والخمرة لما تبعثان من نشوة . فلقد ثبت أن النبي داوود كان عازفا على القيثارة التي تعزى ألحانها المطربة , كاثر الخمر , إلى وحي الإله لمباشر , وكان أنبياء اليهود , قبل تحريم الموسيقى , يعتمدون عليها لتبعث فيهم روح النشوة التي عدوها اتصالا مباشرا بالله. [3]
وتمضي الأسطورة الحبشية في سرد تفاصيل الزيارة وتصعيد العلاقة حتى مهدت إلى اللقاء الجسدي بين الملكة وسليمان , الأمر الذي يمثل محور وهدف الأسطورة الحبشية. وتحقق ذلك من خلال الكلمات والمفردات التي عكست دلالات نفسية وشعورية وعاطفية إضافة إلى ما خلفته تلك الكلمات من إيحاء يمنح الإحساس بالجمال والنشوة . ولا يتسع المجال لذكر جميع الأمثلة وبإمكان القارئ العودة إلى النص لتلمس تلك الدلالات , وخاصة التي تناولت وصف الغرفة التي استضاف سليمان فيها الملكة ثم تلك التي تصف جسدها.
وحقيقة الأمر أن طغيان الجانب الحسي إنما هدف إلى التمهيد للقاء الجسدي الذي كان ثمرته ميملك أو ابن الحكيم من تدعى السلالة التي حكمت الحبشة انتسابها إليه وبهذا تكون الأسطورة قد حققت ما هدفت إليه وهو إثبات انتماء الحكام لداوود لكي يثبتوا تفوقهم ونقاء نسلهم , فهم أيضا أبناء إسرائيل ولهم حق في التشبه بهم ألم ينحدروا من نسل سليمان ؟
إن القول بأن الناس يصنعون التاريخ بصنعهم الأساطير ينطبق بحد كبير على الأحباش في تناولهم وصياغتهم أسطورة ماكيدا . فعندما ذهبت ماكيدا إلى القدس فإنما ذهبت كي تستمع إلى

[1] عبد المجيد عابدين , المرجع السابق .

[2] ك . ك راثفين , المرجع السابق , صفحة 20 .

[3] جيمس فريزر , المرجع السابق صفحة 53 .




110

.................................................. .................................................. .......................





لتتعلمها من سليمان إلا أننا سرعان ما نلمس البعد السياسي للأسطورة بتحول مركز الثقل من سليمان إلى ماكيدا فهي التي تعرضت للإغواء وتحول سليمان النبي إلى صياد يداعب فريسته قبل أن يفترسها بل أن تصرفاته جانبت الحكمة واتصفت بالصبيانية والتهور مما دفع بالملكة وهي تستهجن تصرفاته إلى معاتبته وقد تحول في نظرها " إلى أحمق "
حرصت الأسطورة على تصوير ماكيدا بصورة مثالية تخلوا من أي نقاط الضعف , فهي حكيمة ومقتدرة وقوية ومتوازنة وجميلة , وعليه , فإن تحول مركز الثقل من سليمان إلى ماكيدا في كبرا نجست يوازي انتقال الهيكل من أورشليم إلى القدس كما يوازي الرؤيا التي رآها سليمان في منامه من بعد أن نفذ رغبته معها وما توقف الشمس في إسرائيل " وعبورها إلى الحبشة أكثر توهجا " إلا رمزا لانتقال العرش إلى أكسوم ورغبة الأحباش في ان تكون صهيون الجديدة وهو الهاجس الذي داعب خيال ومشاعر الأحباش منذ وقت طويل وكان الأحباش يحجون إلى ما قبل المسيحية إلى القدس كما يحج المسلمون اليوم إلى مكة.[1]
إن مما لا شك فيه أن أسطورة ماكيدا تتألف من عناصر متباينة الأصول ذات منابع متعددة لعل من أهمها اليهودية والمسيحية والسريانية إضافة إلى بقايا معتقدات وثنية سامية ولا غرابة , فالأحباش شعب مختلف الأجناس ومختلف العادات والديانات وكثيرا ما أباح لنفسه حتى في ظل اعتناقه للديانات السماوية أن يمزجها بخرافاته ومعتقداته القديمة .
واستكمالا لتتبع عناصر الأسطورة عند الأحباش ومساراتها العديدة والمتنوعة وحرصا على تحديد منابعها والأبعاد الثقافية والتاريخية والدينية والنفسية , نرى أن نتوقف عند أسطورة ملكة الجنوب كما ترويها قبائل التيجيري وهي أسطورة ذات طابع شعبي تختلف عن سابقتها ذات الصبغة الرسمية جسدت بصورة أكثر وضوحا عقيدة الانسان وطريقة تفسيره للأشياء والكون من حوله كما أنها من خلال " الرواية الشفهية " وانتقالها من جيل إلى آخر شكلت ذاكرة الجماعة التي احتفظت فيها بطقوسها وعاداتها وحكمتها واستمرت حية حتى بعد زوال تأثيرها الديني والروحي , من هنا تأتي أهمية هذه الأسطورة كما ترويها قبائل التيجيري والتي نرى روايتها كما وردت في كتاب أثيوبيا والأثيوبيين Ethiopia and the Ethiopians . [2]


[1] Budge , المرجع السابق .

[2] Budge , المرجع السابق .




111
.................................................. .................................................. .......................




الفرع الثاني
ملكة الجنوب عند قبائل التيجيري
ملكة الجنوب etyo azep إمراة من قبيلة التيجيري حيث كان الناس يعبدون أفعى وكان يتعين على كل فرد منهم أن يقدم كبرى بناته كضحية إضافة إلى ثلاثمائة لتراً من الميد وثلاثمائة لتراً من الحليب. بعد أن تم ربط الفتاة إلى إحدى الشجرات كي تلتهمها الأفعى ظهر بعض القديسين الذين اكتشفوا مكان الأفعى فهاجموها ورموها بصليب فقتلوها وبينما كانوا يقومون بذلك وقعت قطرة دم من دماء الأفعى على كعب رجلها فتحولت مباشرة إلى حافر حمار , أخذ القديسون الفتاة وفكوا وثاقها وأخذوها إلى قبيلتها إلا أن الناس أعادوها فذهبت وأمضت الليل تحت الشجرة وفي اليوم التالي رجعت وقامت بإقناع الناس ليتبعوها إلى ذلك المكان لرؤية الأفعى الميتة فما كان إلا أن توجوها ملكة عليهم .
وعندما سمعت بقدرة الملك سليمان في القدس على مداواة أي علة عقدت العزم للذهاب إليه للتخلص من حافر الحمار , وانطلقت هي ووزيرتها في زي رجلين وبمجرد أن عبرت بوابة الملك شفيت رجلها وعادت كما كانت وعندما دخلت الحضرة الملكية أمر الملك بالخبز واللحم والميد , إلا أن الملك شك في شخصيتهما أي أنهما امرأتان لأنهما لم يأكلا إلا القليل .
وفي المساء أمر بترتيب أسرة لهما في غرفته وقام بتعليق قربة من العسل نام الملك بعين مفتوحة وعندما اعتقدتا بأنه نام قامتا بلعق العسل من القربة عندها تأكد الملك من أنهما امرأتان فنهض وجامعهما معا . وبعد انتهائه أعطى كل منهما عقد فضة وخاتم قائلاً " إذا كان المولود بنتا فلها هذا العقد من الفضة , وإذا كان ذكراً فليأخذ هذا الخاتم ويأتي إلي" وبعد انتهاء الزيارة عادت كل منهما إلى موطنها التيجيري وهي حامل وأنجبتا ذكرين إلا أن الملكة كانت قد اشترت مرآة قبل عودتها.
عندما شب الولدان أعطت الملكة المرآة لابنها وأخبرته انه يشبه أباه وأنه عندما يذهب إلى القدس سيقوم والده بتكليف أحد رعاياه بالجلوس بدلا منه على العرش , وسيختفي , محذراً إياه بعدم إلقاء تحية الملوك على الرجل الذي سيجده أمامه على العرش .
ذهب الصبيان معا إلى القدس وعندما وصلا إلى القصر قال سليمان : " إذا كانا حقا ولداي فسينتظران , وأخفى نفسه عنهما ثلاثة سنوات , وعند نهاية الوقت , أجلس أحد رعاياه على عرشه وتنكر متخفيا في ملابس رثة , وعندما أذن للولدين بالدخول إلى قاعة العرش , لم يأت ابن الملكة بأي حركة فقد عرف من المرآة بأن الرجل الذي يجلس على العرش ليس أباه يختلف النظر في


112
.................................................. .................................................. ..........................





الفرع الثاني
ملكة الجنوب عند قبائل التيجيري
ملكة الجنوب etyo azep إمراة من قبيلة التيجيري حيث كان الناس يعبدون أفعى وكان يتعين على كل فرد منهم أن يقدم كبرى بناته كضحية إضافة إلى ثلاثمائة لتراً من الميد وثلاثمائة لتراً من الحليب. بعد أن تم ربط الفتاة إلى إحدى الشجرات كي تلتهمها الأفعى ظهر بعض القديسين الذين اكتشفوا مكان الأفعى فهاجموها ورموها بصليب فقتلوها وبينما كانوا يقومون بذلك وقعت قطرة دم من دماء الأفعى على كعب رجلها فتحولت مباشرة إلى حافر حمار , أخذ القديسون الفتاة وفكوا وثاقها وأخذوها إلى قبيلتها إلا أن الناس أعادوها فذهبت وأمضت الليل تحت الشجرة وفي اليوم التالي رجعت وقامت بإقناع الناس ليتبعوها إلى ذلك المكان لرؤية الأفعى الميتة فما كان إلا أن توجوها ملكة عليهم .
وعندما سمعت بقدرة الملك سليمان في القدس على مداواة أي علة عقدت العزم للذهاب إليه للتخلص من حافر الحمار , وانطلقت هي ووزيرتها في زي رجلين وبمجرد أن عبرت بوابة الملك شفيت رجلها وعادت كما كانت وعندما دخلت الحضرة الملكية أمر الملك بالخبز واللحم والميد , إلا أن الملك شك في شخصيتهما أي أنهما امرأتان لأنهما لم يأكلا إلا القليل .
وفي المساء أمر بترتيب أسرة لهما في غرفته وقام بتعليق قربة من العسل نام الملك بعين مفتوحة وعندما اعتقدتا بأنه نام قامتا بلعق العسل من القربة عندها تأكد الملك من أنهما امرأتان فنهض وجامعهما معا . وبعد انتهائه أعطى كل منهما عقد فضة وخاتم قائلاً " إذا كان المولود بنتا فلها هذا العقد من الفضة , وإذا كان ذكراً فليأخذ هذا الخاتم ويأتي إلي" وبعد انتهاء الزيارة عادت كل منهما إلى موطنها التيجيري وهي حامل وأنجبتا ذكرين إلا أن الملكة كانت قد اشترت مرآة قبل عودتها.
عندما شب الولدان أعطت الملكة المرآة لابنها وأخبرته انه يشبه أباه وأنه عندما يذهب إلى القدس سيقوم والده بتكليف أحد رعاياه بالجلوس بدلا منه على العرش , وسيختفي , محذراً إياه بعدم إلقاء تحية الملوك على الرجل الذي سيجده أمامه على العرش .
ذهب الصبيان معا إلى القدس وعندما وصلا إلى القصر قال سليمان : " إذا كانا حقا ولداي فسينتظران , وأخفى نفسه عنهما ثلاثة سنوات , وعند نهاية الوقت , أجلس أحد رعاياه على عرشه وتنكر متخفيا في ملابس رثة , وعندما أذن للولدين بالدخول إلى قاعة العرش , لم يأت ابن الملكة بأي حركة فقد عرف من المرآة بأن الرجل الذي يجلس على العرش ليس أباه يختلف النظر في


113
.................................................. .................................................. ...........................



أولاً : تأثيرات سامية وثنية بشكل عام .
ثانيا : تأثيرات يهودية .
ثالثا : تأثيرات مسيحية .
رابعا : تأثيرات زاوجت بين التأثيرات اليهودية والمسيحية .
وسنقف عند كل منها وقوفا عابرا.

الفرع الثالث
التأثيرات في الأسطورة عند الأحباش
أولاً : التأثيرات السامية الوثنية :
بإمكاننا تلمس هذا الجانب من خلال ثلاثة رموز هي : الأضاحي البشرية , الأفاعي , الجنس أو الإله الأم , التي ترمز إليها ملكة الجنوب , في بداية الأسطورة تطالعنا فكرة الأضاحي البشرية إذ أن ملكة الجنوب هي التي وقع عليها الدور كي تقدم قربانا بشريا ( للأفعى ) , ومن المعروف أن الأضاحي البشرية كانت من عادات الساميين الذين اعتادوا أن يضحوا بالبكر من أبناءهم إما كجزية يجب دفعها في فترات منتظمة للإله أو لتسكين ثائرة غضبه في الأوقات العصيبة والضائقات الوطنية . [1]
أما رمز الأفعى أو الحية فهي من الرموز التي احتلت مكانه هامة في المجتمعات الزراعية واتخذتها العديد من الشعوب البدائية طوطما لها باعتبارها روحا للأسلاف ورمزا للحياة المتجددة . فالحية ذات الرؤوس السبعة كانت إله عند الكنعانيين وهي تقابل الأفعوان خالق الكون المادي في الأساطير المصرية والعبرية , والمجال هنا لا يتسع لتناول رمز الأفعى المعقد والمتشابك ومكانته في الشرق الأدنى القديم , بل وفي العالم بشكل عام , فقد كانت الأفعى موضوع تقديس وعبادة باعتبارها تجليا لقوى الخصومة .
وعن رمز الإله الأم , نجد تجسيدها لهذه الأسطورة في الإباحية الجنسية التي جعلت من سليمان ينفذ في المرأتين معا وفي نفس الوقت , دون أي استهجان أو انتقاد من قبل الرواة . ولعل هذا ما يعكس فكرة الإله الأم كما ذكر , التي كان الساميون يعتقدون أنها تتمثل قوى التناسل في الطبيعة لذا يرى البعض أن ذلك الفجور يعود إلى تقليد مسلك الإله الأم التي كانت تعد غير متزوجة

[1] جيمس فريزر , المرجع السابق صفحة 99.




114
.................................................. .................................................. ..........................




وغير عفيفة لضمان إثمار الحقول والشجر والإنسان والحيوان . [1] ولا نذهب بعيدا إذ لا تزال كثير من القبائل البدائية تتخذ من الجنس في طقوسها السحرية وسيلة لإخصاب الأرض ونمو الزرع.
ثانيا : التأثيرات اليهودية :
" يتضح تأثير الثقافة اليهودية على المحور الرئيسي الذي دارت حوله الأسطورة , وهو العلاقة بين ملكة الجنوب والنبي سليمان , وهي علاقة أثمرت ( ميملك ) الذي قام بسرقة تابوت العهد من أورشليم إلى أكسوم لتصبح أكسوم هي صهيون الجديدة . بل أن سليمان يطلب من مستشاريه وكبار رجال دولته أن يبعثوا بأبنائهم مع ( ميملك ) إلى الحبشة , إضافة إلى هذا فقد عكست الأسطورة بعضا من المعتقدات والقيم اليهودية كطاعة الأبناء ومكانة الابن البكر وتفضيل الذكور على الإناث.
ثالثا : التأثيرات المسيحية :
نستطيع تتبع هذه التأثيرات من خلال ما طرأ من تغيير في بداية مفاهيم الطقوس , وذلك عند توقفنا أمام رمز الأفعى , فإذا كانت الأسطورة قد احتفظت بذلك الرمز مشيرة إلى مرحلة من مراحل تطورها , إلا أن سير الأسطورة يجسد مفهوم التغير الذي طرأ على المعتقدات والطقوس القديمة , فبدخول المسيحية صارت الأفعى رمزا للخطيئة والوثنية , وغالبا ما صور تحت أقدام القديسين والشهداء وقد أصابوا منها مقتلاً . من هنا يبرز صراع المسيحية مع الوثنية , فعبادة الأفعى الوثنية دخلت في صراع مع الديانة المسيحية وانتهت بانتصار المسيحية وبتتويج ملكة الجنوب , وذلك عندما أمكن القضاء على الأفعى مجسدة رغبة الجماعة في التخلص من العبادة القديمة.
كما تتجلى التأثيرات المسيحية في توحد سليمان بالمسيح , فهو كالمسيح يملك المقدرة على شفاء الأمراض , فتوجه ملكة الجنوب إليه إنما كان بهدف تخليصها من حافر الحمار , وتحققت أمنيتها بمجرد عبورها بوابة الملك .
أما أسطورة ( الكأس المقدسة ) المتمثلة في المعاناة والمشقة والتضحية التي يبذلها المنقذ في رحلته للبحث عن الخلاص في المفهوم المسيحي فهي تتوازى مع ما قام به ميملك من استيلاء على تابوت مريم وما تعرض له ومرافقوه من مصاعب ومشاق أثناء رحلة العودة إلى أكسوم حتى تمكن من الوصول في نهاية الأمر ليشرع على التولي في بناء كنيسة لمريم . إن ميملك هنا هو المنقذ الذي يبحث عن الخلاص لشعبه .


[1] نفس المرجع




115
.................................................. .................................................. ........................






رابعا : التأثيرات المسيحية واليهودية المتزاوجة :
إن أهم ما يميز فكر الأحباش وأدبياتهم هو الطابع التوفيقي الذي يجيء انعكاسا لتعدد الأجناس واختلاف العادات والديانات . ففي الوقت الذي تم فيه اعتناق المسيحية كانت بعض القبائل لا تزال تعبد آلهة يسمونها ( سميت ) وهو تشخيص ليوم السبت , كما نجد الأحباش المسيحيين يفرقون كاليهود بين الحيوانات الطاهرة والحيوانات النجسة , ويقولون بتدنيس النساء وقت المحيض إضافة إلى انتشار عادة الختان بينهم .
ولم يقتصر الأمر عند هذا , ففي منتصف القرن الرابع الميلادي انتشرت عبادة الأفاعي في كثير من مناطق الحبشة. [1] وكما نعلم أن عبادة الأفاعي لم تقتصر على بعد وثني حيث استمرت قائمة لدى اليهود حتى زمن طويل بعد موسى , بتأثير الديانات السماوية المحيطة . فبعد ما يزيد عن أربعمائة سنة من وفاة موسى نجد نصوص التوراة مازالت تتحدث عن عبادة الأفعى فهذا الملك هزقيا في العهد القديم ( قد عمل المستحيل في عين الرب حسب كل ما عمل داوود أبوه وهو أزال المرتفعات , وكسر التماثيل , وقطع السواري , وسحق حية النحاس التي عملها موسى لأن بني إسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها ودعوها ( نحشتان ).
وهنا ندرك ما استنتجه البعض عندما قرأ عبارة ملك صهيون في بعض نقوش ( عيزانا ) أحد ملوك أكسوم الذي اعتنق المسيحية في القرن الرابع الميلادي هنا ندرك أنه ربما كانت تجري في تلك الفترة حركة تجمع بين المسيحية واليهودية .
بعد تحليلنا هذا للأسطورة الحبشية ومحاولة إرجاعها للمصادر والينابيع التي استقت منها وتأثرت بها نجد من الأهمية بمكان , قبل الفراغ منها أن نشير إلى ذلك التناظر في الخطوط العريضة بين رحلة الملكة الحبشية إلى سليمان لسماع حكمة الرب , وبين رحلة الإله عشـــتار للإله ( إنكي ) إله الحكمة في الأرض والمياه الجوفية في الأساطير السومرية الأمر الذي يشير إلى أن أسطورة ملكة سبأ تنتمي إلى تراث إنساني أوسع.
تروي الأسطورة أن الإله عشتار إله الحب والجمال والخصب وملكة السموات والأمية لمدينة الوركاء " قررت الذهاب إلى مدينة [ أريدو ] حيث يقيم الإله الذي كانت بيده كل القرارات الإلهية الأساسية للحضارة , لتحصل عليها , تحقق بذلك آمالها وطموحاتها في المجد والشهرة , فانطلقت في رحلتها , وعندما وصلت ورآها [ إنكي ] أسره جمالها ووقع في حــبها فلجــــــــــأ إلى [ إسمود ] مستشاره , كما لجأ سليمان في الأسطورة الحبشية إلى أعوانه وكانت وسيلته أيضا الطعام والخمر ويقول لأسمود " إن عشتار الجميلة قد جاءت إلى محرابي فأدخلها وأعطيها كعك الشعير مع الزبد لتأكل , صب لها ماءا باردا ينعش الفؤا

[1] Budge المرجع السابق , صفحة 228 .




116
.................................................. .................................................. ...........................




الشعير مع الزبد لتأكل , صب لها ماءا باردا ينعش الفؤاد , ولتشرب جعة على المائدة المقدسة مائدة السماء . قل لها تحية كلمات التحية " وقد نفذ رسوله إسمود ما أمر به سيده . وعندما جلست عشتار مع إنكي يأكلان ويمرحان وأصبحا في نشوة وقد فرح قلباهما بالشراب , صاح إنكي باسم قوتي إلى عشتار ابتني أقدم القرارات الإلهية للحضارة." [1]
ففرحت عشتار بهذه الهدية التي منحها لها إنكي وحملتها منطلقة إلى مدينتها الوركاء بعد أن حققت هدف رحلتها وتمضي الأسطورة السومرية فتذكر أن إنكي بعد أن فاق من تأثير الشراب ندم وأرسل في أثرها لاسترداد الهدية ولكنه فشل بالرغم من محاولات رسله وأخيراً تصل السفينة إلى مدينة الوركاء بسلام ويستقبلها أهالي المدينة بالأهازيج والاحتفالات . كما استقبل أهالي أكسوم الملكة وطفلها عند عودتها بالابتهاج والاحتفالات والفرح .
لقد عادت كلتاهما من رحلتيهما وقد حققتا مكاسب وانتصارات ومجد فإذا كانت عشتار قد عادت من رحلتها بالقرارات الإلهية للحضارة[2] فإن الأخرى قد عادت هي أيضا أكثر بصيرة وحكمة حاملة وريثة لعرش ملكي مقدس, منذ ذلك الحين فصاعدا ألا وهو ابن الحكيم , أو ميملك , حفيد داوود عليه السلام .
وهذا ما يجعلنا نرى أن أسطورة ملكة سبأ وان اختلفت في دوافعها , فهي ترجع إلى تراث سامي موغل منذ القدم , ففي هذه المقارنة التي سقناها , هنا شخصية رئيسية ( أنثى ) تجسدت في إله ثم في ملكة , انطلقت في رحلة تبحث فيها عن حكمة والتي قد يتنوع مضمونها , يقابلها شخصية رئيسية أخرى ( ذكر ) قد يكون إلها كم في الأسطورة السومرية أو نبيا كما في أسطورة ملكة سبأ . وعادة ما تؤدي نتائج اللقاء إلى تغيير جذري يتعلق بأمور العرش ( الملك ) وهو ما يـــــــــذكرنا بـ ( رحلات العبور ) في سبيل توليه العرش الملكي المقدس . وفي هذا يشير البعض[3] إلى نماذج من أبطال التاريخ أسطورة , بأن منهم أبطال دخلوا أساطير الرموز ... ومنها رحلة المخاطر في سبيل توليه العرش الملكي المقدس , أو هجرة الأبطال قبل أقدامهم على عمل خطير يتعلق بأمور الدين أو العبادة عامة.
وأخيرا , نستطيع القول أن الأسطورة الحبشية ترجع إلى مصادر متنوعة وإلى فترات زمنية متفاوتة وتنويعات تناولت أسطورة ملكة سبأ في التراث السامي بشكل عام , غير أن الأحباش وظفوها في خدمة الساسة فجاءت متجاوبة مع مصالح وإرادة الحكام ورغبتهم الكبيرة في إظهار تميزهم عن شعبهم وذلك بالانتماء إلى داوود , فيحقق لهم وراثة العرش جاعلين من أنفسهم خلفاء

[1] طعمة السعدي , ملحمة جلجامش والأساطير السومرية والقصائد الباابلية , المكتبة العالمية , 1990 , بغداد , صفحة 85.

[2] الدكتور أحمد كامل زكي , المرجع السابق , صفحة 52.

[3] أحمد كامل زكي المرجع اليسابق صفحة 22 .




117
.................................................. .................................................. .......................






الله في الأرض , كما شاهدنا في العصور الوسطى عندما كان يدعى الحكام بنظرية الحق الإلهي , لقد وظفت الأسطورة لتلبي حاجة الحكام اللذين كانوا بحاجة إلى تثبيت حكمهم ضج الخصوم الداخليين والخارجيين وذلك بالادعاء بأنهم من نسل سليمان وكان آخر هذه السلالة هو الإمبراطور ( هيلاسيلاسي ) أي الروح القدس الذي ثبت في دستور أثيوبيا لعام 955 م وفي المادة الرابعة أن الإمبراطور مقدس وذلك لانحداره من سلالة سليمان الحكيم "
وإذا كانت الأسطورة قد لبت طموحات الحكام السياسية , فإنها استجابت أيضا لنزعة الشعب الأثيوبي في توقعه العميق في السبق للانتقاء إلى المسيحية قبل الرومان والقبط في مصر وذلك بالانتماء إلى المسيح منذ وقت مبكر من خلال العلاقة بين سليمان وملكة سبأ , أليس المسيح حفيد داوود , إذا جاء في العهد القديم : [ فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم فإنك قد نلت نعمة الله . وها أنتي تحملين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع . وهذا سيكون عظيما وابن العلى يدعى . وسيعطيه الرب الآلهة عرش داوود أبيه ويملك علي أل يعقوب إلى الأبد ].

المبحث الثاني
ملكة سبأ عند اليهود
تبدأ فصول الأسطورة اليهودية بما نقله الهدهد إلى سليمان من أخبار عن مملكة سبأ عندما قال : جئتك نم أرض فيها التراب أغلى من الذهب والفضة كوحل الشوارع أشجارها خضراء أبدية تسقى منذ الأزل بمياه جنات عدن . المدينة مزدحمة بالرجال , يضعون على رؤوسهم عمائم وكأنها صنعت في الجنة , لا يعرفون كيف يحاربوا , ولا كيف يصيبون بالسهم والقوس وتحكمهم امرأة تدعى ملكة سبأ وإذا أردت يا سيدي وملكي سوف أطلق العنان وأرحل إلى مدينة قتر في أرض سبأ , سأقيد ملوكها بالسلاسل وحكامها بالقيود الحديدية وأحضرهم ليتمثلوا أمامك يا سيدي الملك .
سر الملك سليمان من كلام الهدهد ثم استدعى موظفي مملكته لكتابة رسالة للملكة ثم ربطها في ذيل الهدهد كتب فيها " إذا ما وصلت إلي ممتثلة مجيبة فسوف أشملك بما لم اشمل به غيرك من الملوك والأكابر بالترحيب والتعظيم , وما لم تأت فسوف أجعل منك طعاما للوحوش الكاسرة والطيور المفترسة .
وما أن وصل الهدهد برسالته حتى جمعت الملكة الأمراء والأقيال والأعيان وأطلعتهم على ما ورد فيها فإذا بهم يجيبون مستنكرين ورافضين تلك اللهجة التي تضمنتها الرسالة متسائلين :" ومن يكون الملك سليمان , فهو لا يمثل شيئا بالنسبة لنا ". غير أن موقفهم هذا لم يكن مطمئنا لها ولا مقنعا لا مما دعاها إلى التهيؤ والإعداد للسفر , فأعدت السفن وحملتها بأحسن الأخشاب واللآلئ


118
.................................................. .................................................. .........................





والأحجار الكريمة وأرسلت معها 6000 بين جارية وغلام ولدوا في نفس السنة والشهر ولهم نفس الطول والحجم وألبستهم جميعا ملابس متشابه بلون البنفسج , وحملتهم برسالة إلى الملك سليمان تقول فيها " من مدينة قتر إلى أرض إسرائيل تستغرق الرحلة سبع سنوات , وتلبية لرغبتك في الوصول وحرصي الكبير على زيارتك فإنني سوف أحاول الوصول إليك على جناح السرعة وسأكون في القدس قبل نهاية الثلاث سنوات ."
عندما علم سليمان باقتراب موكبها من القدس أرسل إليها ( بينه ابن يهودا ) أحد أتباعه المقربين وكان جميل الطلعة وسيم المحيا , فما أن رأته حتى ترجلت عن عربتها . فسألها لماذا تترجلين أيتها الملكة فما أنا إلا خادم من خدم سليمان , فصحبها إلى سليمان والذي كان اعتلى عرشه واتخذ له مكانا على صرح من زجاج ممرد .
هنا أعطى المؤلف [1] إشارة يقول فيها أنه أسقط الكثير من التفاصيل يتضمنها مدلولات جنسية , ثم يواصل بقية تفاصيل الأسطورة مشيرا إلى الحوار الذي دار بين الملك سليمان وملكة سبأ قائلا على لسان الملكة :" لقد سمعت عن حكمتك أيها الملك ولا يسعني إلا أن أتوجه إليك ببعض الأسئلة التي يهمني الإجابة عليها "
تركزت الأسئلة في الحمل والعادة والرضاعة وتشابه الأبناء لآبائهم وعن كيفية التمييز بين البنين والبنات والأسباب التي جعلت المختونين يتميزون عن غيرهم داخل المعبد وعن الذي ولد ولم يمت .
هكذا تناول اليهود أسطورة ملكة سبأ تناولا لا يلتقي ولا ينسجم مع ما جاء في التوراة . فقد رأينا فيما سبق كيف صورت التوراة موكب ملكة سبأ العظيم وهداياها الثمينة , ولم نجد فيها ذكرا للهدهد ولا لأية تضمينات جنسية ولا نزعة استعلائية . لقد أظهرت الأسطورة سليمان كملك يتعامل مع الآخرين من غير شعب إسرائيل تعاملا مستبدا متعاليا , الأمر الذي لا ينسجم مع المنظور الديني لسليمان نبي الله من وصف بالحكمة والعقل , ولا يتطابق مع الحقيقة التاريخية التي أثبتت الدراسات عنها أن سليمان كان عكس أبيه النبيه داوود مرنا ومتسامحا , استطاع بفضل تلك المرونة والحكمة والتسامح إقامة علاقات تحالف متكافئة مع جيرانه وخصوصا مع مصر وفينيقيا , وتحولت فيها القدس في عهده إلى مدينة ( كوزموبوليتانيه ) تعايشت فيها الديانات والأجناس وانتشرت فيها معابد وهياكل لديانات أخرى[2] .


[1] Louis, ginzberg, the legends of the jews

[2] Frauh moore groos ,myth and the Hebrew Epic




119
.................................................. .................................................. ..........................






ولأن الأسطورة تعبير عن روح الجماعة ومثلها وقيمها , فقد عكست ذالك النزوع الي السيطرة والعدوان , أليست الأدبيات الإسرائيلية مليئة بما يسمي " الحرب المقدسة " ؟ وتنضح تلك النزعة منذ بداية الأسطورة من خلال استخفاف الهدهد بذالك الشعب , فمقياس التفوق في نظرة هو إتقان فن الحرب , أما الرخاء والسلم والأمن فهو مدعاة للغزو والنهب . أن رسالة سليمان أيضاً مليئة بالتهديد والوعيد , إضافة الي مراسيم استقبالها التي جعلت من أحد أعوان سليمان يخبرها بأنه ليس سوي خادم من خدمه ليبث الهيبة في نفس الملكة .
انتقلت الأسطورة بعد ثبيت ذالك المدخل إلي تفاصيل اللقاء , وذكر الصرح , والهدايا التي أرسلتها والألغاز التي طرحتها علي سليمان . وهي تتطابق في تفصيلاتها مع ما ذهب إليه الرواة العرب والمسلمون .
وجدير بالذكر أن الأسطورة اليهودية عندما تحدثت عن مملكة سبأ كانت على دراية كبيرة بها , فمن خلال وصف الهدهد تتضح لنا تلك الدراية من تطابق ما جاء فيها مع ما أشار إليها المؤرخ اليوناني إسترابو في القرن الأول قبل الميلاد عندما قال " إن مأرب مدينة عجيبة سقوف أبنيتها مصفحة بالذهب والعاج والأحجار الكريمة وفيها الأبنية الثمينة المزخرفة مما يبهر العقول وذلك يهون علينا ما ذكره العرب عن ارم ذات العماد."[1] ويؤكد هذا الأمر أن العبرانيين كانوا على صلة وثيقة بالسبئيين من خلال العلاقات التجارية والاقتصادية كما ذكر المؤرخون حسبما سبق أن أشرنا .
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد من المعرفة بل ذهبت المعرفة على تحديد المدينة التي تحكم منها ملكة سبأ , وهي مدينة قتر . وبالرجوع إلى كتاب صفة جزيرة العرب للهمداني للبحث عنها وجدنا التالي :" قتر بفتح القاف وسكون التاء المثناه من فوق وراء آخره , كذا صححناها من الإكليل ج 2- 42 , كما وجدنا :" رجع إلى ذكر الطريق الوسطى إلى رمدان دعت العليا لبني وابش دعة السفلى للأعفار من ناحية عرمة لبني شبتان من ناحية سارع لبني شبرمة ودعوتهم في ناحية وعلان وهو قصر ذي معاهر قيل من والأقيال وحول أمواله عظيمة وبه اليوم نفر من أكيل خولان ونفر بني عروة وهم من مسيلة ودعوتهم في الجميلين وهم إلى ناحية المسطح والمفتح وقتر"[2].


[1] نفس المرجع السابق

[2] صفة جزيرة العرب للهمداني .




120
.................................................. .................................................. .........................































رد مع اقتباس
  #4  
قديم 08-08-2009, 09:25 PM
الصورة الرمزية حماد مزيد
حماد مزيد حماد مزيد غير متواجد حالياً
مجلس إدارة وحي بلقيس
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: فلسطين
العمر: 55
المشاركات: 2,409
معدل تقييم المستوى: 10
حماد مزيد is on a distinguished road
افتراضي

البــــاب الثالث


بلقيس الرمز






121
.................................................. .................................................. .....................




شك فيه أن الأسطورة قادرة على ترجمة أحاسيس الماضي والحاضر بوعي مركب , كما أنها تمتلك القدرة على إعطاء الماضي حضورا حيا متوهجا تجعلنا نعيش حاضر الماضي بكل قيمته ومثله الايجابية المشرقة.
والتاريخ اليمني ملئ بالشخصيات والأحداث التاريخية التي لعبت أدوارا هامة وعظيمة جعلت الخيال الشعبي , بعد تداخل التاريخي بالخيال , يرتقي بها إلى مصاف الخوارق والأساطير , فهناك أسعد الكامل , وشمريرعش , وسيف بن ذي يزن , وعمرو بن معدي كرب , ووضاح اليمن , وامرؤ القيس .
ولعل الملكة بلقيس تأتي في مقدمة هذه الرموز لتشكل رمزا ينبض بالأحاسيس والدلالات الغنية والموحية منذ أن وعى الانسان اليمني ذاته وحضوره التاريخي , مدركا أهمية ذلك الوعي والحضور , بدءا بالهمداني ونشوان الحميري وحتى آخر قصيدة صاغها شاعر شاب في اليمن الموحد.
بقد استلهم الشعراء ذلك الرمز متخذين منه وسيطا فنيا لإبتعاث المشاعر وإثارة الكامن منها في أعماق النفس , غير أنهم اختلفوا في طريقة توظيف الرمز , فمنهم من استخدم الأسطورة في إطار بعدها المعجمي , متحركة في مستوى واحد , عاجزة عن خلق جو إيحائي يثري دلالات القصيدة , ومنهم من وظفه في إطار البعد الإشاري حيث لا يعرض التاريخ من خلال الرمز ولكنه يعرض ما يريد من دلالات جديدة بالتاريخ , في تشكيل جديد ليثبت ما يشاء من مضامين وفق رؤيته الذاتية كشاهد على عصره ووفق ما تنبض به تجربته من تفرد وخصوصية وهو ما سنلمسه عند شعراء القصيدة الجديدة بشكل خاص.
وفي هذا الباب سنتناول , في فصلين بلقيس في الشعر اليمني رمزا جسد مشاعر وأحاسيس وتطلعات اليمنيين بل نموذجا أسطوريا عبر من خلاله الشعراء المحدثون عن سمة من سمات المجتمع اليمني وهي صيرورته في إطار التطور الحضاري , فاستخدموه مرة في إطار الدلالات معينة ذات صلة بالتطور الاجتماعي الذي مر به اليمن وهم يواجهون نظاما كهنوتيا قبل الثورة وإرثا كبيرا من التخلف على كافة الأصعدة والبنى . ومرة أخرى وهم يصيغون أحلاما ورؤى لوطن يمتد من حضرموت والمهرة في أقصى الجنوب إلى الجوف وصعده في أقصى الشمال.




122
.................................................. .................................................. ...................







الفــــصل الأول


بـــلقيس في الشـــعر


اليمني القديم




123
.................................................. .................................................. .......................







* دامغة الهمداني :
وقد بدأها بأبيات رقيقة :
ألا يا دار هلا تـــنطقينا

فإنا سائلون ومخبرونا

ثم يشير إلى بلقيس " بقوله :
وانكحنا ببلقيس أخــــانا

وما كنا سواه منكحينـا

ولم نطلب بذي بتع بديلا

ولو أنا بتنزيل أتيـــنا

وكان لها بقول الله عرش

عظيم والبرية مقتوينا

لو تأملنا هذه الأبيات , لوجدنا أنها تلتقي مع رواية " وهب بن منبه " الذي توفي عام 116 هجرية الذي عمد إلى تصوير اليمن ومجدها عن طريق سرد أساطيرها , وقد استقى أغلب هذه الأخبار من أهل الكتاب اللذين اتصل بهم في موطنه اليمن الذي اشتهر منذ الجاهلية باستيطان اليهود والنصرانية وتصارعهما فيه.
على أننا نلاحظ في تلك الأبيات درجة تعصب اليمنيين ليمنيتهم وغيرتهم على نقائهم السلالي . وبمنطق الرجل أيضا المهيمن سقط دور بلقيس في اختيار الزوج حيث قال وأنكحنا , وما كنا , ويبلغ التعصب ليمنيته ذروته حينما قال " ولو أنا بتنزيل أتينا " .

* الإكليـــــــــــل :
اشتمل كتاب الإكليل على أبيات شعرية جاءت على لسان الملوك والأقيال , ونسلم قطعا بأنها أبيات موضوعة ومع ذلك فهي تكشف لنا الكثير من معتقدات اليمنيين وتراثهم الفكري وتاريخهم الممتزج بالخيال :



124
.................................................. .................................................. ........................






جــــاء على لســــان تبع :
ولدينا من الملوك مـــلوك

كل قيل متوج صنديد

ملكتهم بلقيس تسعين عاما

بأولي قوة وبأس شديد

عرشها سمكه ثمانون باعا

كللته بــــجوهر وفريد

وله جنتان تسقيهما عينان

فازا بســــــده المسدود

وقال تــبع أسعد :
ولقد بنت لي عمتــي في مأرب

عرشا على كرســي ملك تليـــد

عمرت به أزمانــها في ملكهـــا

مغبوطة واستدعيت بالهدهـــــد

عمرت به تسعين عاما دوخــت

أرض العراق إلى مفازة صيهـد

يغدو إليها ألـــف ألـــف كلــــهم

عقب لها يتعاقبون من الـــــــغد

فرأت سبيل الرشد حين تــبينت

ماقد أتاها من حــكيم مـــــــرشد

نزلت عن الملك العظيم لربـــها

قبل المدينة أو يقـــــال لها ردى

وهنا نلاحظ أن تنازلها عن الملك لم يكن بسبب ضعف أو خوف وإنما إيمانا برسالة السماء.







125

.................................................. .................................................. .......................











* ملوك حمير وأقيال اليمن :
يقول نشوان بن سعيد الحميري ( المتوفى عام 573 هجرية ) الذي أخذ عن الهمداني :
أم أين بلقيس المعظم عرشهـــــــا

أو صرحها العالي على الأصراح

زارت سليمان النبي بتدمــــــــــر

من مـــأرب ديـــنا بلا اســـتنكاح

في ألف ألف مدجج من قومـــــها

لم يــأت في إبــــل إلـيه طـــلاح

جاءت لتسلم حيـن جـــاء كــتابه

بدعائها مع هـــدهــد صــــــداح

سجدت لخالقها العظيم وأسلـمت

طوعا وكان ســـجودها لـــبراح

وهنا نلمح أيضا أن الزيارة كانت استجابة لنداء الإيمان النابع من القناعة والاختيار , وهو يحرص أيضا على أن يصور وقوة قومها وغناهم , فقد رافقت ألف ألف فارس مدجج بالسلاح وابل مثقلة بالهدايا كما جاء في التوراة.
وهكذا نلحظ كيف التقت الآراء والتصورات في الشعر القديم حول قصة لقاء بلقيس بسليمان الحكيم , ويرجع السبب في ذلك إلى تناقل الرواة والمؤرخين للرواية التي وضعها " وهب بن منبه " المستقاة بدورها من الكتب السماوية وخاصة القرآن الكريم والتوراة وتناولها بعد ذلك الشعراء اليمنيون في ذلك الإطار وصبوه في قالب من النظم .



126
.................................................. .................................................. ........................








الفصل الثاني


بلقيس في الشعر


اليمني المعاصر












127

.................................................. .................................................. ......................






يقول د. عبد العزيز المقالح " إن الأربع السنوات الأولي من الحرب العالمية الثانية بما خلفه من مناخ توتر وإحساس بالتغير تكاد تكون الفترة الزمنية المحددة لنشوء ظاهرة التحديد والمعاصرة في اليمن " [1]
كان الوضع الذي عاشته اليمن أثناء تلك السنوات قاتما وكئيبا انتشرت فيه المجاعة وتدهورت الأوضاع الاقتصادية وبلغ الوضع السياسي غاية الحرج والضعف كشفت عنه معاهدة الطائف عام 1934م , والتي جاءت بعد صلح دعان (1911) بسنوات وهو الصلح الذي أثار شكوك المواطنين وخلف مرارة لدي الواعين من أبناء الشعب اليمني مما جعل أحد الشعراء الشعبين يعبر عن الاستياء والسخط الكامن بقولة :
قــالــوا سَـبَـرْ صُـلـحْ دعّـانْ

فـــيــه ســــــدّوا الــــرجـال

ومـا دريــنــا عــلـيـش تمّـوا

وكــــــــيـــــف الـــــمـــقــال

مــا غـــيــر لـيــش مـا يِسِدوا

قــبــل بــــدع الــقـــــــتــــال

عـلـيـش سِـــرنـا وجـــيـــنــا

فـي الــســبــال والــجــــبــال

لاســـيــــرتــك مــا تــفــيدك

مـــا يــــضــــر الـــــجــلوس [2]

وكانت معاهدة الطائف بداية لتجمع بذور التمرد الذي بدأ بالوعظ والنصح ثم التهديد والترغيب حتى انفجرت أول ثورة في شبه الجزيرة العربية وهي ثورة 1948 محدثه هزة عنيفة أيقظت الوعي اليمني المخدر .
وتزعم الشعراء والأدباء تلك الثورة كما تزعموا حركة الأيقاظ وحقن الشعور الخامد بالوعي , ولعبت الكلمة دوراً كبيرا في إحداث التغير السياسي والاجتماعي والثقافي , تعانقت فيه الكلمة الثورة بالفعل الثوري وكان الأدباء هم طليعة الشهداء المناضلين .

[1] الأبعاد الموضوعية والفنية لحركة الشعر المعاصر في اليمن د. عبد العزيز المقالح

[2] زاهر عطشان شاعر الوطنية الأول , قضايا وطنية , عبد الله البردوني ص 111



128
.................................................. .................................................. .......................







وفي حين عمل الأئمة من بيت حميد الدين علي إسدال الستار وقطع جذور الماضي العريق عمل الشعراء علي إحياء روح الماضي وعمدوا إلى إذكاء الوعي بالماضي من خلال رموزه المضيئة وعهوده المشرقة وحضاراته السباقة وكانت " بلقيس " هي أحد هذه الرموز .
ويقول الشاعر إبراهيم الحضراني :
إذا أهــابــت ربـة الـعرش بهم

واستفزت منهم الأسد الغضابا

إننا نلمح " بلقيس اليمن وكأنها كانت في مأزق تستنهض القوم لإنقاذها وهي لا تتوجه بندائها إلا إلي قوم يفيضون غيرة وحميه .
كانت ثورة عام 1948 هي الحلقة الأولي في سلسلة النضال الوطني التي تبعتها , إذ أعقبها انقلاب عام 1955 وتمرد عام 1959 ومحاولة اغتيال الإمام عام 1961 إلا أن توجت هذه المحاولات بقيام ثورة 36 سبتمبر عام 1962 .
وبمرور السنوات كان الوعي الوطني يتنامى وكانت كل حركة أو تمرد ضد الواقع المعتم تعكس رثاثة الأوضاع التي كانت قائمة والتململ علي جميع المستويات , بما فيها المضامين والأشكال في لشعر اليمني , ولعب المذياع دوراً في انفتاح اليمن علي الثقافات العربية , وأتاح للمثقفين والأدباء تتبع التيارات الجديدة والاتجاهات الحديثة في الشعر العربي , كما كان لبداية خروج اليمن من عزلتها الطبقة عن طريق الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية والثقافية التي اضطر الأئمة إلي توقيها مع إيطاليا والصين والدول العربية مثل العراق ومصر , كان لها أثرها الكبير أيضاً , حيث تمكن عدد كبير من الطلبة اليمنيين المبعوثين للدارسة من الاتصال بتلك الثقافات العربية , وكانوا جسراً للتواصل الثقافي ولتزويد الطلائع الأدبية والفكرية في اليمن بالكتب والمجلات الفكرية والأدبية الرائدة .
وهكذا واكب الشعر اليمني الاتجاهات الحديثة في المدارس الأدبية في الوطن العربي وما تبنته من اهتمام بالصورة والرمز والأسطورة والقناع , والتي أخذت فيها المرأة بشكل عام بعدا رمزيا خصبا حيث أصبحت الأم والحبيبة والأرض ورمزا للثورة والبطولة والنضال . كما تجلت نظرة التقديس لها بصورة أعم وأشمل بعد مراحل متعددة في التراث العربي والإسلامي , من خلال شعراء الحب العذري وشعراء الحب الإلهي من المتصوفين أمثال ابن عربي وابن الفارض والسهرودي وغيرهم .





129
.................................................. .................................................. .......................





فمن منا لا يتذكر ذلك البيت لمجنون ليلى الذي رفع محبوبته إلى درجة التقديس :
أراني إذا صليت يممت نحوهـــا

بوجهي وإن كان المصلى ورائيا

وفي اليمن , حيث يحتل التاريخ العريق جزءا كبيرا في الذاكرة الجماعية , وحيث تشكل رموزه وأساطيره , أمثال سيف بن ذي يزن وأسعد الكامل وعمرو بن معدي كرب وأروى بنت أحمد وذي نواس وغيرهم , ينبوعا خصباً يلهب خيال الأدباء والشعراء , استأثرت بلقيس باهتمام كبير فبلقيس هي العصر الذهبي ليمن العزة والرخاء والشورى , هي يمن الحلم والتطلع.
ومنذ الستينات والشعراء يتخذون من بلقيس رمزاً للثورة والأرض فهي أرض الشاعر ووطنه , وهي المعشوقة التي تضم في ملامحها الجبال والسهول , وتشع من عينيها , عند بعض الشعراء , كل الأحزان , وكل الانتصارات والانكسارات.
إلا أن من الشعراء من يتناول هذا الرمز تناولاً وصفيا , فبلقيس في القصيدة مجرد إشارة عابرة أو لمحة في صيغة خطابية تقريرية , وهم لا يفعلون أكثر مما يفعله العامة في استخدام الأمثلة الشعبية كوسائل إيضاح . وهؤلاء هم الشعراء العموديون , وإن كانت هناك بعض الاستثناءات , وأخص الشاعر عبدا لله البردوني الذي امتازت قصائده بوحدة الموضوع متخذا من الرمز بلقيس, كما سنلاحظ فيما بعد , بعدا يحمل دلالات تجسد رؤياه الخاصة.
أما شعراء القصيدة الجديدة فقد استطاعوا أن يوظفوا الرمز , نظراً لما تمتاز به القصيدة الجديدة من مرونة في البناء وقدرة على التشكيل الدرامي , وتمكنوا من الاستفادة فنياً من أبعاده التاريخية في تطويعه لاستيعاب الواقع المعاصر وإكسابه بعدا واقعيا مباشراً. فالشاعر يضعنا أمام تلك الرموز والأساطير , لا لمجرد تعميق الإحساس بالماضي والتباهي والتفاخر به فحسب , وإنما للبحث عن ذاتنا الحضارية وإيجاد القيم والمبادئ التي يجب أن نعتنقها , كما يضعنا أمام التحديات والتساؤلات المصيرية التي تحيط بنا.
سنخصص المبحث الأول عن " بلقيس " في الشعر العمودي , والثاني في الشعر الجديد , منذ مطلع الستينات إلى منتصف الثمانينات.



130
.................................................. .................................................. .......................






المبحــــث الأول


بلـــقيس عنـــد شـــعراء القـــصيدة العـــمودية

سيكون الشاعر محمد عبده غانم أول من سنتوقف عنده , حيث يشبه أروى , أو بلقيس الصغرى كما أطلق عليها , سابغاً عليها بهذا التشبيه الجميل أجمل المديح والتقدير والإعجاب بأبيات يعبق منها شذى الجنتين , وهي صورة وصفية غنائية :
وكنت بجبلة تتـــــحكمــين
وفي صولــة تبهر العالمين
تعيدين بلقيس في مجدهــا
ومن مثلهـــا بالمعالي قمين
أقامت على مأرب الجنتين
فذات الشمــال وذات اليمين
تغذيها الطير لحن النســيم
على نفحة الفـــل والياسمين
وتهديها وارفات الكـــروم
روائع من عــــبقر الملهمين
تذوب العناقيد في كأســهم
فــتضرمـــــها شعلة لا تمين
وكانوا إذا أنشـدوا قبلهــــا
نشيد الهوى عن هواها عمين[1]


أما شاعرنا الثاني , فهو شاعر امتاز بصوته الجهوري المناسب والمتدفق بالمشاعر الوطنية , وهو على حمود عفيف , ففي ديوانه " حبيبتي اليمن " يخاطب اليمن ويشير إلى بلقيس في لمحة عابرة وإلى صرحها الشامخ , وهو بهذا يتعامل مع الرمز بطريقة تتميز بالنقل الحرفي وتكرار المعنى في إطار خطابي :
كل يـوم على طريـــــــــق
الـمعالي همها أن تشيد البنيانا
همها أن تعيد دينا معيـــــن
صـــرح بلقيس شامخا أركانا
يسـتحم الصباح في رئتيها
من دمـــاها يستنشق الأقحوانا[2]


وفي قصيدته في ذكرى الشهيد الشاعر محمد محمود الزبيري الذي يشــــــــــير إليه فيها بـ" ابن بلقيس" , بلقيس الثورة والجمهورية , والتي عشقت المجد والإباء , ونالت الخلود , كان الشاعر موفقاً في أن ينسبه إلى بلقيس حيث كان الشهيد بالفعل امتدادا لها عشقت روحه المجد والإباء والوطن , يقول الشاعر :



[1] ديوان عبده غانم " في رحاب أروى " ص 375.

[2] ديوان " حبيبتي اليمن " علي حمود عفيف



131
.................................................. .................................................. .......................







إنـــــه فجرنا وكم زرعته أكبد
الثــــــــــائرين من شهدانا
كم تمزقت فرحة حين شاهدت
أمانيك قـــــــد زهت أفنانا
ورأيـت الدروب يحضنها الفجر
ويلقي بــــساحها الأقحوانا
وابن بــلقيس نخبه يشرب النور
ويختــــال راقـصاً فرحانا[1]


* حسن الشرفي :
أما الشاعر الرقيق شاعر الحب والبن , حسن الشرفي , فلم يخلو ديوان من دواوينه من ذكر بلقيس والإشارة إليها . وفي قصيدته " بلقيس الكبرى " استطاع الشاعر أن يسبغ على قصة بلقيس وعرشها معان جديدة وصور متميزة عندما خاطب اليمن الكبرى , يمن الوحدة , قائلاً :
بـلقيس هــذا عرشك الأعـظـم
يــزفه جـــبارك الــــــــــــــــــملهم
ما عنده علـــــــــم كــــــــتاب
ولا يكمــــن في خـــــــــاتمه طلسم
أتى به الحـــــــــب المــصفى
كما يأتي الضحى وتلمــــــع الأنجم[2]


إن العرش هنا لم يعد ذالك العرش الذي جاء في القصة التاريخية , والذي حمله مارد من الجن وإنما هو عرش يرمز إلي الثورة التي جاء بها الشعب العظيم وحملها بين ضلوعه لقد جاءت الثورة حقيقة نابعة من الحب والتضحية زفها شعب لم يتواكل ولم يعتمد علي المعجزات ( الخاتم ) , وإنما هو الحب الخالص العفوي المنساب من ضمير الشعب بفطرة وتلقائية كما تلمع الأنجم في السماء .

وفي قصيدته التي أهداها إلي مولودته " بلقيس " أختلط الخاص بالعام وتداخلت ذكريات الماضي العظيم بالتطلع نحو الحاضر والمستقبل :



[1] ديوان " حبر على ورق " ذكرى شهيد اليمن , علي حمود عفيف ص 85.

[2] أصابع النجوم , بلقيس الكبرى , حسن الشرفي , ص .117



132
.................................................. .................................................. .......................





بلقيس هاإني بعثتك موكبا
غردا يهازج فيك أثرى موكب
سميت باسمك طفلتي فلمحت في
نظراتها دفاق الوضوح اليعربي
ورأيت مأرب في كبير طموحها
إشراقة يزهو بها وجه الصبي
فسبحت في الماضي البعيد وفي فمي
أنشودة الأجيال لابنة مأرب
من عاشت الأجيال تهتف باسمها
رمزا لعزتها التي لم تغلب
فإذا ما زهت بلقيس بداري
وتسامت تطاول الجوزاء
وصحت في الصباح تحتضن الأفراح
نشوى وتلثم الأضواء
فلأن التي تناغي مناها
هي بلقيس عزة وإباء
فاطمئني يا طفلتي فسأبني
لك عرشا لا يعرف الأخطاء[1]
توحدت بلقيس الابنة هناء التي تمثل الخاص , مع الهم العام , بلقيس المعادل الموضوعي لليمن :
فاطمئني يا طفلتي فسأبني
لك عرشا لا يعرف الأخطاء
وهكذا توحدت الأبعاد في القصيدة على ما يتحقق عبر الزمن , تحرك النوازع الذاتية والهموم الجماعية في اتجاه واحد.

* عبد الله البردوني :
أما شاعرنا الأخير فهو الشاعر عبد الله البردوني الذي ورد اسم " بلقيس " اسما لديوان من دواوينه هما " لعيني أم بلقيس " و " من أرض بلقيس " , وقد برهن شاعرنا على ما قال :

[1] ديوان الغابة , حسن الشرفي .



133
.................................................. .................................................. ......................





"إنه ليس هناك شكل قديم ولا شكل جديد , وإنما تتلألأ الجدة في المعاني فتجعل أبياتها وضاءة إذا كانت تملك الإضاءة من الداخل , فجمال الأشكال يتوهج بفضل ما يتحرك داخله من تصور وحس مشترك , وليست اللغة إلا ما يتقد بداخلها من أسرار وأفكار ومؤشرات "[1]
" ذلك أننا لا نستطيع من خلال قراءة النماذج التي سترد , أن نلمس التجديد داخل القصيدة في الصورة واللغة , وفي أسلوب المجاز والاستعارة . ففي قصيدته " لعيني أم بلقيس " تصبح بلقيس هي الأرض , هي الوطن , حيث يبلغ بع العشق درجة التوحيد , وحيث تتحول العلاقة بين الشاعر والأرض إلى تداخل صميمي يبلغ حد الحلول وكما هي الحاضر , فهي الماضي والمستقبل :
لها أغلى حبيباتي
بداياتي وغاياتي
لها غزوي وإرهاقي
لها أزهى فتوحاتي
وأسفاري إلى الماضي
وإبحاري إلى الآتي
لعيني ( أم بلقيس )
فتوحاتي وراياتي
أشرق وهي قدامي
أغرب وهي مرآتي
إليها ينتهي حبي
ومنها تبتدي ذاتي
أموت وحبها موتي
وأحيا وهي مأساتي
ترويني لظى وهوى
وأشدو ضامئاً هاتي [2]
وتبلغ ذروة التوحد والحلول حيث يصعب الفصل بين كيان الشاعر والأرض , وتتحول الأرض إلى رحم , فالإنسان يصنع الوطن كما تلد الأرض : الرحم , الانسان .


[1] الأزمة الشعرية بين الوجه والقناع , قضايا يمنية , عبد الله البردوني , ص 240.

[2] ديوان " من أرض بلقيس " عبد الله البردوني ص 9 .



134
.................................................. .................................................. .....................






وأذوي وهي تحملني
فتنمو في جراحاتي
إنها تعكس الجدلية بين الأرض والإنسان
وفي هذه الأبيات من القصيدة نفسها يتعانق الرمز " بلقيس " مع " بلقيس " الوطن :
وتبدو من شذى غزلي
ومن ضحكات حلواتي
ومن نظرات جيراني
ومن لفتات جاراتي
ومن أسمار أجدادي
ومن هذيان جداتي
ومن أحلام أطفالي
ومن أطياف أمواتي
فعبارة ( أسمار أجدادي ) و ( هذيان جداتي ) تشير إلى تناقل قصة بلقيس ملكة سبأ من جيل إلى جيل كتراث تختزنه الذاكرة الجماعية للشعب اليمني.
وبلقيس هي الحضور الحي في ضمير الشاعر ماثلة في وجدانه , هي حلقة الوصل التي تربط بين الماضي ( أطياف أمواتي ) بالمستقبل الذي تمثله أحلام الطفولة.
وفي قصيدة أخرى تحمل عنوان ديوانه " من أرض بلقيس " تصبح بلقيس هي اليمن حيث تتوحد في الشاعر , فهي اللحن والوتر , ويمتزج الشاعر بالأرض :
من أرض بلقيس هذا اللحن والوتر
ومن جوها هذه الأنسام والسحر
من صدرها هذه الآهات نم فمها
هذي اللحون ومن تاريخها الفكر
من السعيدة هذي الأغنيات ومن
ظلالها هذه الأطياف والصور
أطيافها حول مسرى خاطري زمر
من الترانيم تشدو حولها الزمر
هذا القصيد أغانيها ودمعتها
وسحرها وصباها الأغيد النضر


135

.................................................. .................................................. .....................









يكاد من طول ما غنى خمائلها
يفوح من كل حرف جوها العطر
كأنه من تشكى جرحها مقل
يلج منها البكى الدامي وينحدر
ثم يناجي الشاعر مباشرة " أرض بلقيس " قائلاً :
يا أمي اليمن الخضرا وفاتنتي
منك الفتون ومني العشق والسهر
وفي غمرة انفعالاته تتداخل الأحاسيس والمعاني حيث تصبح إلام والحبيبية ، وكيف تجتمع الفتنه والعشق مع الأمومة ؟ وقد يكون الخلط وعدم توحد الأبعاد هما نقطة الضعف في القصيدة العمودية بشكل عام .
أما في قصيدته "مسافر بلا مهمة " اتخذ البردوني من الاشاره إلي بلقيس كرمز ليسبغ عليه رؤيته الخاصة إذ أعطاه تفسيرا عصريا لتجربة جديدة تعكس موقفا حضاريا حيث جاء علي لسان بلقيس " الحائرة " في مهب الريح :
يا رؤى يا نجوم أين بلادي
لي بلاد كانت بشبه الجزيرة
أخبروا أنها تجلت عروسا
وامتطت هدهدا وطارت أسيره
والي أين يا نجوم ؟ فتومي
ما عرفنا يا أخت بدء المسيرة
من أنا يا مدي ؟ وأنكر صوتي
ويعب السفر وجه السفيره
من أشاور علي كانوا غباء
ليتهم موضعي وكنت المشيره
كيف اختار كيف ؟ ليس أمامي
غير درب فليس في الأمر غيره
رحلت مثلما يحث سراه
موكب الريح في الليالي المطيرة
وأرتدي (الفار) ناهديها وأنست


136

.................................................. .................................................. .......................










هجرة المنحي خطاها الأخيرة [1]
وكأنما التقي البردوني والشاعر اليمني القديم عمارة اليمني علي إدانة الهدهد والفار عندما قال عماره :
ولا تحتقر كيد الضعيف فربما
تموت الأفاعي من سموم العقارب
فقد هد قدما عرش بلقيس هدهد
وخرب فار قبل ذا سد مأرب

ألا يرمز الهدهد من البردوني إلي التدخل الأجنبي والي الاستلاب وفقدان الهوية ؟ أن هناك فرقا بين إن نسمح بفتح جميع النوافذ لاستقبال مختلف رياح التفكير الإنساني وبين أن نسمح لتلك الرياح أن تقتلعنا من جذورنا وأرضنا ، وكيف اختلت المقاييس والقيم والمعايير وتـــــــــحول ( الفأر ) إلى فارس يمتطي نهدي بلقيس ؟ ومن الذي مكنه من استباحتها ؟
كثيرون هم الشعراء الذين اتخذوا من بلقيس رمزا للمرأة الوطن والأرض ، والمرأة _ الثورة لارتباط هذا الاسم في أعماقها بالماضي العريق والعظيم ولكن القليل منهم من التفت إلي هذا الاسم رمزا لميلاد المرأة اليمنية الجديدة حفيدة بلقيس الملكة العظيمة والأقل منهم من تصدوا لقضية المرأة وقضية تحريها من الجهل والخوف والحاجة وإطلاق طاقتها وإمكانياتها الفكرية والعقلية كي تتخلص من عقدة الشعور بالدونية والضعف والعجز ، ومما لاشك فيه إن الثورة قد عملت منذ قيامها علي رفع مستوي الانسان اليمني ثقافيا واجتماعيا وسياسيا وحررته من الكثير من رواسب الجهل والنظرة الضيقة الأفق .
وبعد أن عاشت المرأة اليمنية عهودا طويلة مخلوقا عاجزا يستمد وجوده من غيره " ما للمرأة إلا الزواج أو القبر " مخلوقا صوته عوره يخشي حتى من مجرد ذكر اسمه ، جاءت الثورة وفتحت أمامها جميع المجالات لبناء شخصيتها لكي تساهم في بناء الوطن . وكان الاهتمام بالتعليم في مختلف مراحله هوا الركيزة الأساسية لخلق الانسان الجديد ، كما كان المصنع والمؤسسة والمدرسة والوزارة والمستشفي المحك العملي للعطاء والمساهمة وإعادة صياغة شخصية المرأة من صورة باهته سالبه إلى أخرى تنبض بالحياة وتشارك في صنعها.
إلا أن من الطبيعي وبعد ذلك السبات الطويل والقسري للمرأة اليمنية أن لا تجد الطريق مفروشا أمامها بالورود إذ برزت صعوبات ومعوقات هي إفراز طبيعي لمجتمع لا يزال من ارتفاع

[1] ديوان عبد الله البردوني ، المجلد الثاني ، ورقه من التاريخ مسافرة بلا مهمة ، ص 333



137
.................................................. .................................................. .......................






نسبة الأمية وتدني مستوي الثقافة مجتمع كان يعيش شبة معزول لذا فان السنوات التي تلت الثورة كانت سنوات تأسيس وكفاح مرير علي جميع الأصعدة وكان علي الكلمة الواعية أن تلعب دورها الطليعي في محاولة لتغير الوقع المليء بالترسبات والذهنيات المتصلبة ذات البعد الواحد .

* محمد الشرفي :
يعتبر الشاعر محمد الشرفي من ابرز المدافعين عن قضية المرأة حتى انه لقب بشاعر المرأة واصدر العديد من الدواوين احتلت المرأة فيها المحور الرئيسي ومن ديوانه " دموع الشراشف " نقتطع هذه الأبيات :
أنثى أنا نصف الحياة وكم أرى
عمري يضيع على أمان خدع
أنا بنت بلقيس الشموخ وأختها
وأنا لـ أروى وهي لي من منبعي
أهوى بأن يقتات حمرة وجنتي
حقلي ويأكل سحر عيني مصنعي
وألف بالعمل الشريف أناملي
وأخط فوق تراب أرضي موضعي
وأعيش للأجيال أما تحتوي
بضلوعها فجر البنين الرضع
في هذه الأبيات التي جاءت على لسان المرأة , استخدمت المرأة كل وسائل الإقناع كي يتقبلها المجتمع , بدءا باستشهاد برموز الماضي قبل الإسلام وبعده وإلى تأكيدها على القيام برسالتها الأزلية كأم تربي الأجيال.
* عثمان أبو ماهر :
أما الشاعر التالي الذي سنتوقف عنده , فهو عثمان أبو ماهر , ونستعرض قصيدة من ديوانه " النغم الثائر " جاءت بعد فترة زمنية من قصيدة الشرفي , استطاعت المرأة أن تنجز في تلك الفترة شيئا من تحقيق الذات , لذا جاءت قصيدته تلك تعلوها نبرة الثقة والاعتزاز , نبرة المرأة الإنسان المحلق في سماوات الأمل , يقول فيها :



138
.................................................. .................................................. ......................






أنا بنت بلقيس بنت اليمن
أعيد لمأرب تاريخه
أضاهي به الأفق في كل فن
وأعدو سماه ومريخه
أنا أم مأرب أحيا له
أحقق بالعزم آماله
على قمة المجد أسمو به
وأرفع في الكون أجياله
فكم من شهيد تغنى به
وضم التراب بتقبيله
وأقسم إما حياة الكرام
وإما ممات لتخليده
جبال السعيدة أنشودتي
وخضر الروابي أنشودتي
حروف تضيء بها خطوتي
وروح تؤجج من وثبتي
أيا قبلة الحب يا موطني
ويا قطرات الدم اليمني
بصنعاء يضخ وفي عدن
نوحده دائم الزمن
أن بنت بلقيس هنا التي تفتحت مداركها ونما وعيها وحسها الوطني في عهد الثورة , تقمصت هنا روح التاريخ العظيم لتوصل الحاضر بالماضي كما شادت بلقيس بالأمس مأرب : سبأ , وجعلتها حديثا تردده العصور وتشير إليه الكتب السماوية , وهي عازمة على أن تجدد المضي وتعيده خالقة أجيالا تزرع في نفوسها الإرادة والعزيمة وروح الفداء والبطولة إن بنت بلقيس التي تقمصت روح الماضي , استشرفت أيضا اليمن الموحد حلم الأجيال اليمنية.



139
.................................................. .................................................. ........................





المبحث الثاني


بلقيس في القصيدة الجديدة

كتب الشاعر الدكتور عبد العزيز المقالح في مقدمة مجموعة من أعماله قائلاً : " لقد بدء الشعراء في بلادنا يحلمون بتغيير الواقع في اليمن منذ مطلع الأربعينيات وكان الشعر وسيلتهم إلى تحقيق ذلك الحلم , ومن خلال رغبتهم في تغيير اليمن امتد الحلم إلى محاولة تغيير القصيدة , وقد أصبح الشعر عندنا – نحن أبناؤهم وأحفادهم – حلما بتغيير اليمن والقصيدة والعالم."[1]
لذلك تحمل شعراء القصيدة الجديدة عناء الهدم والبناء على مستويين, الأول : إبداعي في إطار اللغة " , والآخر : على مستوى الواقع بكل ما يمور به من تناقضات وثنائيات وموروثات سلبية , أليس " الهدم " أو " الرفض " هو لحظة بناء جديد , كما يقول " هيدغر "
ومن هنا كانت القصيدة الجديدة عند الشعراء المبدعين تصورا جديدا للإنسان والمجتمع , وموقفاً من الكون متخذين من "رؤياهم " وسيلة وغاية لإعادة صياغة العالم على نحو جديد , وكان البناء عملية فكرية وفنية ونفسية في آن واحد.
* إبراهيم صادق :
وهو من أوائل الشعراء اللذين كتبوا القصيدة الجديدة في اليمن عندما كان طالباً في لبنان , اتخذ الشاعر " صنعاء " رمزاً لليمن مقارنا بين عراقه الماضي وعظمته وهوان الحاضر , وبين صنعاء الأئمة وصنعاء بلقيس الحرية والكرامة والإباء :
هذه صنعاء
صنعاء ذات التاريخ
صنعاء من طاولة المريخ
بذرى عمدان
صنعاء من قالت للإنسان
في صوت دافق رنان
لن نحيا أبدا والتيجان
تمحو ما نبني من بنيان
وتعري أغصان الزيتون
وتدلى جماجمنا في الصلبان
وتزج بإعداد الطغيان

[1] ديوان عبد العزيز المــقالح , المقدمة صفحة 18.



140
.................................................. .................................................. .......................





في أفران بين القضبان
هذي صنعاء
صنعاء الشعب المحنى رأسه
من ساس له وبه نفسه
صنعاء الشورى والنظريات
في الفرد وقتل الحريات
في شق طريق للثورات
صنعا أولى الجمهوريات
صنعا بلقيس
صنعا الرأي الشعبي
صنعا شعب عاش على الدنيا كنبي[1]
* د. عبد العزيز المقالح :
بالرغم من أن الدكتور المقالح هو من أبرز الشعراء اليمنيين اللذين استطاعوا أن يوظفوا الرمز والأسطورة والحكايات الشعبية واللذين تمكنوا بحساسية فنية من استلهام التراث اليمني والعربي بل والإنساني , ضمن رؤية عصرية ذات دلالات جديدة , إلا أن " بلقيس " الأسطورة والتاريخ لم تحظ عنده بالمكانة التي حظي بها سيف بن ذي يزن ووضاح اليمن وذو نواس وامرؤ القيس وغيرهم . فلم يفرد الدكتور المقالح لبلقيس سوى قصيدة واحدة , وعداها فليست سوى إشارة عابرة أو إيماءة . ومع أن القصيدة التي سنتناولها كتبت عام 1961, قبل الثورة اليمنية بعام واحد , إلا أننا نستطيع أن نقول أنها كانت استشرافا للثورة.
والقصيدة تصور عودة الشاعر بعد ضياع وغربة أجبر عليها بحثا عن الصباح رمز الإشراق والنور والتجدد , ومع ذلك كان الدجى ، رمز الظلام والكآبة , رفيقه بعيداً عن الوطن , مجسدا وحشة الغربة . وعندما يعود بعد الضياع يجد " بلقيس " , وهي هنا المعادل الموضوعي للوطن ... اليمن :
شرقت باحثا عن الصباح
غربت في سفينة من الشجون والجراح
كان الدجى رفيق رحلتي
وكان فيها البحر

[1] من البيت إلى القصيدة , د . عبد العزيز المقالح ص 60.



141
.................................................. .................................................. .....................





كان الريح والملامح
وها أنا أعود يا بلقيس
عيناك شمس
خمرتي
والشفتان , يا معبودتي , الكؤوس
يرسم لنا الشاعر هنا صورة حسية لبلقيس , فعيناها هما الشمس , النور والضياء اللذان يبددان الدجى , وشفتاها تمنحانه الحياة العذبة , فلا يعد بحاجة إلى الكؤوس . بلقيس هنا الوطن هي امرأة ترمز إلى الحياة والتجدد والميلاد.
ثم يستطرد الشاعر يصف لها ما عاناه في الغربة , حتى يصل إلى أنها الحقيقة واليقين اللذان يتبدد في رحابهما الوهم والسراب:
فتشت عنك البحر والغابات والرموش
سألت صمت الليل حين لم تجب على سؤالي الشموس
فضاع صوتي في رماد الليل
ضاع في سواده السؤال
وعدت أحمل الخيبة , أحمل الهموم والأثقال
مزقت ثوب العمر راحلاً
أبحث عن طيف مسافر بلا قرار
أبحث في البراري النائيات في البحار
وحين عدت كان محبوبي هنا في الدار
يشرب حزني يقرأ الأشعار
ينام في انتظار ,
يصحو على انتظار
أعود بعد رحلة الوهم أقبل الأحجار والتراب
أعانق الطفولة الشباب
انفضه في رحابك السراب
فلتمنحيني يا حبيبتي دارا على الجفون
مدي عليها ظلك الحنون
لكي تقيني ثورة الظنون


142

.................................................. .................................................. .......................









وقسوة العيون
فمن أنا لولاك يا معبودتي ومن أكون
مسافر بلا شراع.[1]
وكأن الشاعر في هذه الأبيات يهمس ويناجي حبيبة حقيقة كانت تعيش في انتظاره , وكأني به يستشرف المستقبل مشيراً إلى ترقب ذلك الحبيب أو " بلقيس" , قيام الثورة , وخاصة إذا ما عرفنا أنه كتب قصيدته قبل قيامها بعام واحد , وهكذا تتداخل الأرض والوطن والحبيب في كيان الشاعر لتأخذ مسمى واحد.
* أحمد الحبشي :
أحمد الحبشي من الشعراء الشباب المبدعين في اليمن وفي قصيدته " زمن التيه العسكري " استطاع أن يتخذ من الرمز بلقيس معادلا موضوعيا لليمن وهي تواجه التحديات وتعاني من المخاض الحضاري الصعب مصورا مرارة الفجر الكاذب الذي قد يخدرنا لبعض الوقت لكننا عندما نستيقظ بعد ذلك نكتشف أنه لم يكن إلا كما وصفه الشاعر إبراهيم الحضراني :
كل فجر مر فجر كاذب

فمتى يأتي الذي لا يكذب

كما استطاع الحبشي أن يصور شراسة " الشتاء " وقسوته :
لم يكن في الكوز ماء
غضب الليل على الأحياء
وسنصب البلاء
أوقف الناس الكلام
نامت الأشياء كلما صار في الأفق ظلام
في بلادي
في بلاد البسطاء
كان في الدار وميض الضوء
ندا للمساء
ويقاوم
كانت المشكاة ندا للشتاء
وتقاوم

[1] المرجع السابق .



143
.................................................. .................................................. ......................






قرأ الليل التعاويذ القديمة
كي يقاوم
غير أن الكوز في ذاك المساء
صار مملوءا بماء
شربت منه بلقيس
صار زيتا
أوقدت كل الشموع
صار في الدار مساء وصباح
فعندما قامت الثورة وسطعت كل الشموس سرعان ما هبط ليل آخر ليل من الضباب انعدمت فيه الرؤية وفقدت فيه القدرة على التمييز ليل موحش صامت :
ثم لما صار في الأفق ضباب
لم تجد غير سراب
لم تر نور الشموع
صار في الأحشاء داء
لم يكن في الأفق برق ورعود
إنما في الأرض رعد وسدود
خرجت تبحث عن عبء كبير وفريد
عبء أن يولد في العتمة مصباح وحيد[1]
لقد خرجت " بلقيس " بالرغم من الصعاب " السدود " والقيود المتمثلة في الموروثات السلبية , وفي تلك التراكمات المترسبة في العقل والفكر والتي تحد من الانطلاق , وبالرغم أيضا مما قد يتعرض له من قمع وتهديد . وهنا وفق الشاعر في الربط بين الرعد والسدود , التي تمثل التهديد من جهة والصعوبات والعراقيل من جهة أخرى.
بالرغم من ذلك فقد خرجت بلقيس – ليس كما خرجت عند البردوني في قصيدته " مسافرة بلا مهمة " – وإنما لمواجهة مخاض عسير وشاق مع قوى الظلام " فما أشق أن يولد في العتمة مصباح وحيد.



[1] البدايات الجنوبية – قراءة في كتابات القراء اليمنيين الشباب ص 154



144
.................................................. .................................................. .......................




لقد تمكن الشاعر أحمد الحبشي من توظيف الرمز " بلقيس" ضمن رؤية عصرية عكست هموم الثورة وميلاد الانسان اليمني الجديد وامتازت القصيدة بالوحدة العضوية وشكلت نسيجا متناميا وصل إلى ذروة التوتر في نهايتها .
* يحيى علي الأرياني :
برهن شعراء القصيدة الجديدة على أن تناولهم للأسطورة لم يعد أسلوبا تقريريا ميكانيكا لنقل أسطورة ما بدون مجهود وكما وردت , بل أصبح لهم وسيلتهم الفنية التي تتركز على مزج الرؤيا القديمة في رؤية جديدة .
وإذا كانت المرأة – الثورة عبوراً – من خلال الموت والميلاد والقتل والدمار لدى كثير من الشعراء العرب , فإنها عند الشعراء اليمنيين , وبشكل خاص شعراء القصيدة الجديدة , رمزاً للوطن , اليمن الأرض , كما هي رمز للعشق الثوري المتوهج والغاضب غضب الشهداء والأنبياء والقديسين .
والشاعر يحيى علي الأرياني استطاع من خلال قصيدته " بلقيس وعسيب الحبيب "[1] أن يمزج تلك القصة الأسطورة برؤية ذات أبعاد سياسية ثورية معاصرة , عبر ثلاثة مقاطع في بناء درامي متلاحم ومتنام :
المقطع الأول :
تسلقته في لظى الخزي بين صقيع الهوان
وسافرت زادي إليه السراب , وما يغتلي في دمي
ما يشل اللسان
قطعت إليه بحار الحصار , بحار الغيوم
ومركبي الحزن .. ريح ارتحالي إليه الهموم
وحين اتجهت إليه عقرت بعيري , وقوضت الخيام
وعدت لنفسي أمزق ..
مزقت حبي لمحبوبتي وأرقت كؤوس الهيام
تسلقت , لا الشمس في قبضتي
إنما الشوق كان وعشق المحال
تسلقته كي أرى معصميها النديين ,
وخصلة تحتمي بالجبين

[1] مجلة اليمن الجديد.



145
.................................................. .................................................. ........................









لعلي أرى ثغرها , أو لعلي أرى الابتسامة
فقد درت وحدي ودارت مع العاشقين السنون المهانة
وهو وصف للمعاناة والأهوال التي كابدها كي يلمح الابتسامة على ثغرها الـــندي ومعصمها , واضعا نفسه أمام خيار واحد هو الموت أو الثورة والوطن.
إن الشاعر يوحي لنا في البداية , بأن ما هو قادم إليه نوع من المحال ومع ذلك توجه إليه , ولا يخفى هنا ما يوحيه لفظ " التوجه " من دلالات ومعان دينية وإيمانية , ولا ندري لماذا انسابت إلى ذهننا تلك الأبيات البالغة العذوبة للشاعر مطهر الأرياني :
لو كان في الكون من يعبد سوى الرب الأرفع
واستغفره في سماه
صليت لك يا بلادي كلما جيت موضع
أقمت فيه الصلاة
وبطاهر التربة أتيمم وأخشــــــــــــــع
خشوع التــــــقاه
إنه الوطن الذي تهوي إليه أفئدتنا وضمائرنا .
المقطع الثاني :
غوت , كان همسا وكان نواح
غوت , إن بلقيس نثرت في مهب الرياح
ومنديلها من رآه على صدر علج يزينه في غدو له ورواح
رعاة من الحقل – جاؤوا – تجللهم داميات الجراح
أتأكل من ثديها – حرة كالنسيم ضوء الصباح
وبلقيس أروع من حرة , إنها شمس كل الجبال ,
وشمس جميع البطاح
ولكن علجاً يراقب أنفاسها من بعيد .. بعيد
وهدهده كان يرسله مرة بالحلي , وأخرى بمدية لص شريد
وما رجعت خدرها قبل أن تبصق العلج ثم تغني بأحلى النشيد
وهنا يشير الشاعر إلى ما تحقق من حلمه , وسطوع شمس الثورة وتصبح " بلقيس " المعادل الموضوعي للثورة . الشاعر يصور المأزق الأخلاقي : الصراع بين القيم التورية النقية وما بين ما تلفظه الثورات العظيمة من انتهازيين ورجعيين وطفيليين ومن أولئك الذين خسروا

146
.................................................. .................................................. .........................






امتيازاتهم ومصالحهم سواء في داخل الوطن أو خارجه فبلقيس أروع من حرة , إنها شمس كل الجبال. وشمس كل البطاح , ولكن علجا يرمز إلى غلاظة الطبع , وتبلده وتوحشه كان يحصي أنفاسها ويراقبها من بعيد , فهو لا يستطيع الاقتراب , ومع ذلك هناك من يسهل مهمته , وهو الهدهد رمز العمالة , من يقوم حينا بشراء الذمم والكرامة في محاولة لتفريغ الثورة من مضامينها , وأحياناً بشكل عدواني سافر ( بمدية لص شريد ) في محاولة أخرى لتقطيع أوصالها .
غير أن الشاعر ينهي المقطع الثاني بعودة بلقيس إلى خدرها منتصرة , رمزاً للاستقرار والأمن بعد أن كانت في مهب الريح.
المقطع الثالث :
ونسمع شدوا أسيراً
تكبله بحة في الحناجر
عسيب حبيبتي جفته الخناجر
وبندقه تحتسي صدأ
بعد أن كان حسوه المعابر
طعاما لها حين ترقد
أو عندما تشتهي أن تغامر
هي الريح تشعل أنفاسها ,, إن أنفاسها ها هنا تتكلم
متى يا هواء نقيا تداعب وجها ... يريدك تلثم
ستزهق روحي إذا لم تكن بيديك مخالب ضيغم
تزيج بها عاديات الطريق
اموت أنا في هواك وأعدم
أيشجيك صوت الحبيب بحبك يتلعثم
أيغضبك القول أن أسيرة قلبك عريانة
أم تراك لمحنتها تترحم
أريدك تغضب حتى وإن كنت تحلم
أتغضب , أم انه في بلادي غدا غضب المرء جرما مجرم ؟
أتغضب , أم أن حس الإباء بعينيك يهزمه الخوف أم هو يهزم ؟
إذا كان .. إني أريدك تهمس سراً لذلك الصبي الصغير
بأن أباه كان جبانا ويصحو مع الصبح لصاً حقير


147

.................................................. .................................................. ......................








وأن ضفائرها وهواها الأسير
ستغدو معطرة بالضياء
موشحة بالحرير
وكل فصول بلادي ربيع مطير
وهنا تحولت القصيدة إلى نغمة حزن لكنها مشحونة بالغضب , وتحول ضمير المتكلم من المفرد إلى صيغة الجمع وتلاشى صوت الشاعر المفرد ليحدد لنا صورة المعاناة والهم الجماعي.
نسمع شدوا أسيراً

تكبله بحة في الحناجر

وكما أن العسيب في اليمن رمز للرجولة وقيم الشجاعة والنخوة , فهو أيضا رمزا للسيادة والكرامة الوطنية , وعندما يهجر الخنجر العسيب وتصدأ البنادق , تموت روح البطولة والتضحية والفداء عند الشعوب , ونعتقد أن الشاعر لا يعني فقط النضال بالخناجر والبنادق بقدر ما يعني عمق الالتحام والشجاعة وأخلاق الفرسان.
لهذا فقد جعل الشاعر بلقيس تستنهض الهمم وتلهب مشاعر الحمية والغيرة على الوطن , بل وتستفز وتحرض الحبيب على امتلاك القوة , فالطريق ملئ بالأخطار وبقوى الشر ويبلغ ذلك الذروة في استفزاز مشاعر الغيرة الوطنية من خلال استحضار صور الوعي الجماعي للإنسان اليمني .
ونلخص إلى القول بأن الشعراء اليمنيين قد التقوا منذ القدم عند تعظيم بلقيس , إذ جعلوا منها رمزا للمجد والقوة والرخاء وفي الماضي كانت مصدراً للتفاخر والاعتزاز والتفوق على الآخرين , كما كانت في مرحلة اليقظة الوطنية منذ مطلع الأربعينيات رمزا لتحفيز الحس الوطني واستلهام الماضي العظيم بشكل مباشر. أما بعد قيام الثورة , ومنذ الستينات وإلى الوقت الحاضر , فقد تراوح استخدام الشعراء لها بين الصور التقريرية وبين التناول الرمزي, إلا أنها تمحورت بشكل عام كرمز للأرض والوطن والثورة , وهي صورة ذات مضمون ودلالات وطنية وسياسية , وإن تراوحت مستويات الشعراء من حيث الجودة والضعف.
ولكننا لم نجد من تناول " بلقيس" في مضمون ذي أبعاد إنسانية كونية تتجاوز المحلية إلى آفاق أرحب , كما فعل توفيق الحكيم مثلا , أو كما فعل الشعراء الأجانب اللذين أوحت لهم بلقيس بأرق وأعذب القصائد التي تحلق في أجواء من الخيال والحلم.
وقد يكون لظروف اليمن البالغة القسوة وصور التخلف العديدة التي عاشتها وورثتها من الماضي ولا تزال تعاني منها إلى اليوم , إضافة إلى ما واجهته الثورة اليمنية من مؤامرات

148
.................................................. .................................................. .......................






ودسائس من الداخل والخارج , قد يكون لذلك كله أثر في جعل الشعراء يعطون القضايا الوطنية كل مشاعرهم وأحاسيسهم ونبض قلوبهم.

* * * * * * * * * *










149

.................................................. .................................................. ..........................
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 08-12-2009, 02:44 PM
الصورة الرمزية حماد مزيد
حماد مزيد حماد مزيد غير متواجد حالياً
مجلس إدارة وحي بلقيس
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: فلسطين
العمر: 55
المشاركات: 2,409
معدل تقييم المستوى: 10
حماد مزيد is on a distinguished road
افتراضي

تم بفضل الله نقل كتاب :

الملكة بلقيس

( التاريخ و الأسطورة والرمز )

سائلا ً الله لكم به الفائدة .
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 08-03-2010, 02:49 AM
الصورة الرمزية خليفة مصطفى الدليمي
خليفة مصطفى الدليمي خليفة مصطفى الدليمي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Jul 2010
الدولة: العراق تلعفر الجريح
المشاركات: 18
معدل تقييم المستوى: 0
خليفة مصطفى الدليمي is on a distinguished road
افتراضي

اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
موضوع قيم وجدير بالاهتمام
بارك الله تعالى فيكم ووفقكم لما يحب ويرضى
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 11-26-2010, 04:01 AM
الصورة الرمزية محمد الجنابي
محمد الجنابي محمد الجنابي غير متواجد حالياً
وحـــي بلقيس
 
تاريخ التسجيل: Feb 2008
الدولة: العراق ، بغداد
العمر: 52
المشاركات: 148
معدل تقييم المستوى: 7
محمد الجنابي is on a distinguished road
افتراضي

الملكة بلقيس تبقى النموذج الأشد سحرا لامرأة أفتتن بها الأقدمون ، ومازلنا نفتتن ، بحكم ما توارثته البشرية عنها لقرون من حكايات عجيبة ومميزة امتزجت فيها الحقيقة بالخيال
مجهود كبير اخ حماد مزيد بارك الله بيك

اليكم تحميل الكتاب
الملفات المرفقة
نوع الملف: pdf الملكة بلقيس.وحي بلقيس.pdf‏ (3.61 ميجابايت, المشاهدات 6)
__________________
الله أستغفر الله
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 12-21-2010, 01:03 PM
القلب الطيب القلب الطيب غير متواجد حالياً
*مرهفـة القلب ، مشرفة*
 
تاريخ التسجيل: Nov 2010
الدولة: ســوريا - حلب
العمر: 28
المشاركات: 166
معدل تقييم المستوى: 4
القلب الطيب is on a distinguished road
افتراضي

يعطيك العافية أخ حماد على مجهودك الرائع بالوحي
وشكرا أخ محمد على تحميل الكتاب وجاري التحميل
__________________
ولو خيرت في وطن
لقلت هواك أوطاني

ولو أنساك ياعمري
حنايا القلب .. تنساني
اذا ماضعت في درب..
ففي عينيك عنواني !
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مصر تصنع التاريخ Kfinjan مقالات الإعلامي كاظم فنجان الحمامي 1 04-21-2011 11:29 AM
لغز الملكة بلقيس..وحكمه سيدنا سليمان.. ليديا ال بريج تسلية وترفيه 5 03-13-2011 01:53 PM
الملكة بلقيس , الدكتور رمضان الحضري الدكتور رمضان الحضري مناسبات واحتفالات 16 06-01-2010 04:46 PM
الملكة بلقيس فراس الجزازي شخصيات تاريخية 2 02-11-2009 05:26 AM
قراءةٌ في شخصية الملكة بلقيس ليديا ال بريج دراسات تاريخية وبحوث 0 02-03-2008 12:19 AM


الساعة الآن 06:41 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd
.:: تركيب وتطوير فريق عمل منتديات وحي بلقيس ::.